انتظار الموت شعرًا..

2014-6-20 - صحيفة الحياة

في مساء يوم 11 يوليو عام 1905م توفى الامام محمد عبده بالإسكندرية بعد معاناة مع مرض السرطان عن سبع وخمسين سنة، ودفن بالقاهرة بعد ان شيعته قلوب الملايين.

حينها وقف ستة من الخطباء والادباء، يرثونه ويعددون مناقبه، وهم بحسب ترتيبهم في الوقوف الشيخ أحمد أبو خطوة ثم حسن عاصم بك رئيس ديوان الخديوي ثم الشيخ حسن عبد الرزاق باشا الكبير والد شيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق ثم قاسم أمين الكاتب والأديب ثم القاضي حفني ناصف ثم الشاعر حافظ إبراهيم.

حافظ ابراهيم
حنفي ناصف

لم يكن احد منهم يعلم ان هذا الترتيب في الادوار سيكون له حكاية لن يعرفها إلا اخر اثنين وقفا على قبره وهما حفني ناصف وحافظ ابراهيم!

كان حفني ناصف هو اول من فَطن ان أولهم تأبيناً أولهم وفاة فالشيخ أحمد أبو خطوة توفي بعد أشهر من وفاة محمد عبده سنة 1906م ثم لحق به الثاني حسن باشا عاصم فتوفي يوم 10 / نوفمبر / 1907م ، ثم حان أجل الثالث الشيخ حسن عبد الرزاق ، ثم عرجت المنية على الرابع قاسم أمين يوم 21/ 4/ 1908م حدث هذا كله في ثلاث سنوات، ولم يبق من الستة إلا الخامس حفني ناصف، والسادس حافظ إبراهيم.

وهنا استهاب حفني ناصف من لعبة الادوار وأن الدّوْرَ حتماً قد حلّ عليه، فكتب إلى حافظ إبراهيم أبياتاً، جاء فيها:

أتذكر إذ كنا على القبر ستة
نعدد آثار الإمام ونندب

وقفنا بترتيب وقد دّب بيننا
ممات على وفق الرثاء مرتب

أبو خطوة ولًّى وقفاه عاصم
وجاء لعبد الرزاق الموت يطلب

فلبّى وغابت بعده شمس قاسم
وعما قليل شمس محياي تغرب

فلا تخش هلكاً ما حييت فإن أمت
فما أنت إلا خائف تترقب

فخاطر وقع تحت الترام ولا تخف
ونم تحت بيت الوقف وهو مخرب

وخض لجج الهيجاء أعزل آمنا
فإن المنايا عنك تنأى وتهرب

فأجابه حافظ إبراهيم في قصيدته التي ألقاها في حفل تكريم حفني ناصف في عام 1912م حيث يقول :

أخشى عليك المنايا       
حتى كأنك مني

إذا شكوتَ صداعاً         
أطلّتُ تسهيد جفني

وإن عراك هزال           
هيأت لحدي وقطني

وإن دعوتُ لحيِّ         
يوماً فإياك أعني

عمري بعمرك رهن     
وعش أعش ألف قرن

وشاءت إرادة الله تعالى أن تستمر فصول هذه القصة العجيبة إلى نهايتها ، وتوفي حفني يوم 25/ فبراير/ 1919م
أي بنفس ترتيبه في الوقوف في لحظه رثاء الشيخ محمد عبده ، وإن تأخر كثيراً عن سابقيه.

وهنا قال حافظ :

آذنت شمس حياتي بمغيب
ودنا المنهل يا نفس فطيبي

قد مضى حفني وهذا يومنا
يتدانى فاستثيبي وأنيبي

وارقبيه كل يوم إنما
نحن في قبضة علام الغيوب

اذكري الموت لدى النوم ولا
تغفلي ذكرانه عند الهبوب

وفيها يقول :

قد وقفنا ستة نبكي على
عالم المشرق في يوم عصيب

وقف الخمسة قبلي فمضوا
هكذا قبلي وإني عن قريب

وردوا الحوض تباعاً فقضوا
باتفاق في مناياهم عجيب

أنا مذ بان وولي عهدهم
حاضر اللوعة موصول النحيب

هدأت نيران حزني هدأة
وانطوى حفني فعادت للشبوب

توفي حافظ إبراهيم سنة 1932م في الساعة (الخامسة) صباحاً يوم (الخميس) وترك لنا (خمساً) من اثاره الادبية والابيات التي كتبها في بادئ الامر لحفني ناصيف (خمسة) ولو جمع ارقام تاريخ وفاة الامام محمد عبده 1905 لتبصر اكثر عن تاريخ وفاته!