لم تكن المذابح التي تعرض لها الأرمن من قبل العثمانيين، والهولوكست من قبل الألمان، والسكان الأصليين (الهنود الحمر) في أميركا من قبل الأوربيين، و”سربرنيتشا” في البوسنة والهرسك من قبل الصرب، تشترك في السبب ذاته، لكنّ وقودها جميعاً كان العنصرية.
تلك اللحظة العصبية التي يقول عنها “القاموس المحيط”: إنها مدافعة عمن يرتبط أمرك بأمرهم لغرض من الأغراض. وفي تعريف آخر هي: اضطراب في الأعصاب يتجلّى في سرعة الغضب ونحو ذلك. وكل منهما يؤدي إلى الآخر.
نحن، بحمد الله، ليس لدينا تلك الكوارث العنصرية التي نسمع عنها، ولم نشهد انقساماً أو تحزباً بُني على عنصرية، ولكن ما تضج به الشبكات الاجتماعية، يدلّنا إلى أن حالة اللاعنصرية السائدة قد تنقلب في لحظة ما إلى طوفان كبير يحمل في داخله تراكماً طويلاً ومعقداً من العنصرية. وحتى نستوضح فداحة الأمر، يجب أن نعترف بأن العنصرية ليست فكرة بل طريقة تفكير، أي أن المتعصب بطريقة عمياء غالباً سيتعصب لأي شيء ينتمي إليه أو يجد فيه مصلحته من دون أي معيار قيمي أو أخلاقي.
ولا حل لمعالجة ذلك إلا بتشريع قانون يحدّ من العنصرية والتمييز والكراهية، ويحمي الجميع، ويهدف إلى أخلقة الحياة العامة ونشر ثقافة التسامح والحوار، ويحافظ على مكتسبات الوطن ونسيجه الاجتماعي وكرامة أفراده وسمعتهم، ويحصّنهم ضد الأفكار الدافعه إلى الفتنة والكراهية والتمييز.
قانون يجرّم الأفعال المرتبطة بالفرقة أو التقييد أو الاستثناء أو التفضيل بين الأفراد أو الجماعات في الدين أو المذهب أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل، أو النسب أو اللغة أو اللهجة أو الانتماء الجغرافي أو الإعاقة أو الشكل أو الحالة الصحية أو المهنة.
وان يرافق هذا القانون مرصد وطني يُعنى بهذه القضايا ويتمتع بشخصية معنوية، ويتولى رصد أشكال ومظاهر التمييز وخطاب الكراهية وتحليلهما واقتراح التدابير اللازمة للوقاية والعلاج.
وفي أبسط ممارساتنا اليومية التي قد لا نلقي لها بالاً، تتجلى العنصرية كطريقة تفكير تبين حجم العوار الذي يعتري عدداً لا بأس به. وينتقل التعصب غالباً من شكل الى شكل أخر. ولا يفوتني أن أعود إلى قصة حدثت في العام 2013 حين لجأ نادي الاتحاد السعودي إلى “الفيفا” بسبب الهتافات العنصرية (نيجيريا) التي رددها الآلاف من جماهير نادي الهلال السعودي، في الوقت الذي تعد فيه كرة القدم هي اللغة المشتركة بين شعوب وألوان الأرض كافة.
نسمع عن دراسات ونقاشات تبشّر بالخير، تدور حول اعتماد قانون بهذا الخصوص قريباً. وكذلك لا يفوتني أن أرفع القبعة للقضاء السعودي الذي سجّل العام الماضي للمرة الأولى كلمة “عنصري” في منطوق حكم ضد مواطن خاطب متضررة في موقع التواصل الاجتماعي. وعلاوة على ذلك، تضمن منطوق الحكم “أخذ التعهد عليه بعدم التكرار، وإلزامه بحذف التغريدات، والاعتذار من المدعية بالحق الخاص في نفس الحساب يتضمن صيغته التالي:
(أعتذر للمدعية لما صدر مني تجاهها من لفظ عنصري)