2020-4-30 - مجلة اليمامة
هذي المنازل أنخ يا سائق الإبلِ
وانزل بعيسك بين البان والأسلِ
وانشد فؤادًا غدا صبًّا بكاظمةٍ
بين الظبا صرعته أسهمُ المُقَلِ
أقسمت بالبيت والأركان قاطبةً
والمشعرين ومن لبّى على الجبلِ
لأنت عندي وإن ساءت ظنونك بي
أحلى من الأَمَن عند الخائف والوجلِ
ألحان الأندلس النفيسة طارت بها الأصوات شمالاً وجنوباً، ولكن لليبيا وأبنائها وفي مقدمتهم «حسن عريبي» كان الأمر يختلف، فقد كانوا الأكثر اجتهاداً نحو ركيزة الاصالة في ما جاء من صوت الاندلس، إذ جعلوا «المألوف» الأندلسي نشيدهم الجماعي وهويتهم المسموعة.
المالوف هو (الغرناطي)كما يسميه اهل المغرب والجزائر. هو الاصطلاح الذي يلم شمل الموشحات والازجال والاسجال ودوائر النغم وسياق الايقاع.
يعتبر (عريبي) الذي رحل في 18 ابريل 2009 صاحب النقلة النوعية في فن المالوف. فقد ألبسه أناقة الحاضر وأعطى روحه الاتساع للطوالع والتفعيلات، حيث ألف بين أهل الزوايا الصوفية وحشدهم كـ كتيبة منظمة، صاحب الكمان والتشيلو بسببه أصبحوا يقفون بجوار ضارب الإيقاع (الغيطا) أو الزكرة، أو الزرنة عند -الأتراك- مع حامل آلة البندير شيخ النوبة، الشيخ الذي يلقي المقالة ويأخذونها من حوله بعلو الانشاد. ساعة ساعتين أو أكثر! دون كلل..
كانوا في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يخرجون أهل الحضرات من كل زاوية ولكل مذهبه وليلاه، عريبي جعل للمالوف مسرح، وجمهوراً يقابله، ورسخ قبل ذلك قيمة الإعراب.
كان المالوف يلحق بجلسات الذكر أحياناً، وأصبح تؤامها بعده. نظم «نوبة المألوف» علمياً، والنوبة هي القالب الموسيقي الغنائي الذي يتكون من عدة حركات لحنية متتالية ومؤلفة في أوزان وإيقاعات متدرجة السرعة. والمالوف يحكي عن نفسه بأسمه (المألوف) أي ما ألفه الناس.
تميز عريبي بغناء النصوص المتينة الراقية مراعياً جودة الموسيقى وتأثيرها. أسس فرقته في العام 1964 عندما لم تكن في مصر فرقة تعنى بالموسيقى العربية – كما يقول – يجلس بكامل أناقته ووقاره أمام ما لا يقل عن أربعين فناناً متمرساً على غناء المقامات وبوجدان جماعي.
كان عريبي الذي أُختير رئيساً للمجمع العربي للموسيقى في الجامعة العربية تقديراً لجهوده، يوازن بين الإرتجال في الأداء وروح الصوت الجماعي، محاولاً إيصال النَص بروح اللحن، دون ان ينساق لفكرة الانفلات المعروفة في الأداء الصوفي – روح وزمن تحكم دوائر الانشاد، منساقاً مع الاستدارة، طواف كالمعراج. من الدف إلى مدار الارض الى الأفلاك..
يتصاعد بالسامع في نشوة لا تقف، دائرة تسلمه إلى دائرة اكبر، لوعةً الى دائرة أكثر ولعاً. مزاج إحيائي يرفع السامع الى زمن نوراني. ومشاعر غامرة. يتباطأ الغناء في نظرك، ولم يتباطأ!
وتذهب الى فضاء الإنشراح، حيث الإشراق، وطِّباع الحضرة…
رحل عريبي وترك لنا
«ياضياء الشمس يابدر الدجى .. يا نسيم الصبح يادفع الحَزَن»
وما أجمل ما ترك ..