الكلام الأخير..

2021-3-11 - مجلة اليمامة

ساعة يا ردى أتم القصيدة… هاكَ قاتاً وجرةً وجريدة

هكذا خاطب البردوني الموت، ولم يدعْه محمود درويش يبتعد عنه كثيراً. هو أيضاً مات عن عمر يناهز ٦٧ عاماً، وكأن هذا الرقم موتٌ يطارده منذ نكسة ٦٧. حينها قال “أيها الموتُ انتظرْني خارج الأرض، انتظرني في بلادكَ، ريثما أُنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي قرب خيمتكَ، انتظرني ريثما أُنهي قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد”.

وطرفة الشاب الذي مات قبل الثلاثين وعاشت قصيدته، كما عاش عمر المختار القائل “عمري أطول من عمر شانقي”.

التاريخ مليء بقصص النهايات الغريبة، لكن تبقى هناك كلمة أخيرة يقولها المرء وصية أو شعور، حكمة أو شيء لا يفهمه الآخرون في حينه، مثلما حدث مع أينشتاين حين تحدث مع الممرضة الاميركية باللغة الألمانية قبل موته. وكذلك الملك حسين حين أدلى بحديثه الأخير إلى تلك الممرضة الغربية، في عيد ميلادها، باللغة العربية ولم يصلنا من حديثهما أي شيء!

“لمَ البكاء! اظننتم أني سأعيش الى الأبد كنت احسب ان الموت أصعب من هذا” هكذا اسدل الستارة على نفسه لويس الرابع عشر الملك الشمس، حاجباً أزهى العصور الفرنسية.

“ادفنوني واقفاً ووجهي مواجهاً ألمانيا”

كانت وصيّة كليمنصو النمر قائد فرنسا في الحرب العالمية.

أما توماس هوبز عالم الرياضيات والفلسفة واللاهوت الذي قال “أنا على وشك أن آخذ رحلتي الأخيرة، قفزةٌ كبيرة في الظلام!”

وكانت الكلمات الأخيرة لمارتن لوثر كينغ: “يا إلهي، كم هو مؤلم ومخيف الذهاب إلى عالم آخر”. وعبّر ادغار الان بو عن قلقه واكتئابه الدائمين، وهو أول كاتب أميركي حاول كسب لقمة عيشه من الكتابة، بالقول قبل رحيله “يا رب، ساعد روحي الفقيرة”

وبشجاعة العالِم وتواضعه، اعترف تشارلز داروين صاحب النشوء والترقي “أنا لست الأقل خوفاً من الموت”. ردّ عليه جورج واشنطن اول رؤساء أميركا “ولكنني لست خائفاً”.

وبعيداً عن هذه المفاضلة، عُرف السير إسحاق نيوتن بتواضعه حتى لحظاته الأخيرة، فآخر ما قال: ”لا أعرف كيف أبدو للعالم، ولكن كما أرى نفسي فأنا أبدو كطفل يلعب على شاطئ البحر، ويعثر بين الحين والآخر على حصاة ملساء أو صدفة أجمل من المعتاد، بينما الحقيقة ممتدة أمامي كمحيط عظيم لم أكتشف منه شيئاً.“

نجم الغناء الافريقي مارفن غاي كان شقياً في طفولته بسبب ممارسات أبيه المتزمت، ودّع والدته إذ قال لها “أمي، سأوضّب أغراضي وأخرج من المنزل، أبي يكرهني ولن أعود مجددا أبدا” ولأن “المال لا يشتري الحياة” يسانده بوب مارلي، اكثر الفنانين تأثيراً في النصف الثاني من القرن العشرين.

وفي ما يبدو تناقضاً مع بوب قال أغسطس قيصر، أول إمبراطور روماني لرعاياه قبل موته: “وجدت روما من طين، وأتركها لكم من الرخام”. ثم سأل أصدقاءه الذين رافقوه طوال فترة حكمه “هل لعبت دوري جيدا؟ إذن صفقوا لي وأنا أغادر”. وفي مقابله، قال الدكتور الصاوي محمود طبيب جمال عبد الناصر إن الأخير مات وبين شفتيه كلمة “انا الان استريحت”.

بتهوفن الذي أسمعنا أجمل الألحان، عوّض عن الصمم الذي أصابه في آخر عقد من حياته بقوله “سوف أسمع في السماء”.

وقال ليوناردو دافنشي: ”لقد أسأت للرب وللإنسانية لأن عملي لم يرقَ إلى درجة الإتقان التي كان يجب أن يكون عليها.” فهل يسامَح على تقصيره؟ وكما في حياته كذلك قبل موته عبّر السير وينستون تشرشل عن كل ما كان يزعجه بقوله: ”مللت من كل هذا.“

ومثله، استعجلت الشاعرة الأميركية إيميلي ديكنسون رحيلها: ”يجب أن أذهب الآن فقد بدأ الضباب بالظهور”. المغني جيمس براون الذي يعتبر أول من غنى ورقص في ذات الوقت قال بعد أن أرهقه فنّه ”أنا ذاهبٌ الليلة بعيداً.“

وظن مكيافيلي أن الغاية تبرر الوسيلة بالفعل في كل الاوقات، فقال: “سأذهب إلى الجحيم حيث سأستمتع بصحبة البابوات وملوك أوروبا.” أما توماس كارليل الذي فقد إيمانه بالمسيحية وحافظ على القيم الكالفينية فقال “ان كان هذا هو الموت، فحسناً”.

وطمأنهما الفيلسوف كانط بقوله “كان كل شي على مايرام”. وانتقد كارل ماركس الأقوال الأخيرة: “الكلمات الأخيرة هي للحمقى مقضبي الكلام”. ولذا، قصّر سالفادور دالي قوله قبل الموت بعبارته “أين ساعتي؟”

إلاّ أن ملك التشويق في السينما ألفرد هيتشكوك يقول، مسعّراً جرعة الإثارة:
“لا أحد يعلم متى تكون النّهاية. وعلى المرء أن يموت لمعرفة ما ستكون عليه الحياة بعد الموت، بالرغم من أن الكاثوليكيين يضعون الكثير من الآمال على النّهاية”. وعلى سرير الموت، رأى الإسكندر المقدوني امبراطوريته تتمزّق: “أرى منافسات كبيرة هناك عند قبري”. وقال اللورد غوردون بايرون: “حسنًا، ذهبت إلى الفراش”.

وقبل أن ينتحر إرنست همنغواي أخبر زوجته ماري: ”تصبحين على خير يا قطتي“

ويُنهي الدكتور مصطفى محمود كل تلك الوداعات الأخيرة بقوله: “لا وهم نتعامل معه كحقيقة كالحب، ولا حقيقة نتعامل معها وكأنها وهم مثل الموت“.