2021-7-15 - مجلة اليمامة
في مطلع القرن العشرين، نشب نزاع بين الأديب مصطفى صادق الرافعي وأحمد لطفي السيد رئيس مجمع اللغة العربية الذي كان متسامحاً مع انتشار العامية، بعكس الرافعي الذي بذل كل ما يملك في نصرة الفصحى. واستمر هذا الصراع من بعدهما على مراحل، فسلامة موسى شجع على استخدام العامية في الكتابة وليس فقط في التداول الشفهي، وكان لطه حسين موقف معروف حين قال في آخر لقاءاته: “ما زلت حتى الساعة من خصوم العامية”.
والحقيقة أن الصراع لم يكن بين أشخاص بقدر ما كان صراعاً بين مبادئ، فالفصحاء من جهة يريدون المحافظة على التراث العربي والإسلامي والهوية بعمومها ويرون أن العربية أجمل وأهم اللغات ومن الظلم تفكيكها بالعامية. ومن جهة أخرى، ينتصر العاميون لفكرة المجتمعات وخصوصيتها الثقافية ويرون ذلك وجهاً من أوجه الديمقراطية.
وهذا الخلاف على لغتنا قديم يرده المؤرخون إلى الدولة الأموية حين انتشرت العربية في الأصقاع وأعطت وأخذت من الكلمات من كل شكل ولون، وحين نتتبع تاريخ اللغات وطرق نشأتها وتطورها نجد أن مثل هذا الخلاف موجود في كل زمان ومكان وكل عصر ومصر.
لكن ثمة حجة توافقية قائمة، ظلت تغيب بين لجج الآراء المختلفة، فالعامية تابعة للفصحى وابنتها، وهي دليل واضح على اتساع اللغة المتبوعة ومرونتها.
فكلمة مثل “ستي” كانت لقباً للخيزران أم هارون الرشيد تُنادى به تقديراً لها، وما زال هذا الاستعمال شائعاً في عصرنا، وليس خطأ كما يظن بعضنا، فكلمة “ست” بالاستعمال هي الجهات الست (أمام، وراء، فوق، تحت، يمين، شمال) كناية عن تملك من تشير إليها بها جهاتك الست حباً وتقديراً لها
وعبارة “معليش” أصلها ما عليه شيء، وقيل إن أصل استخدامها كان للقاضي، عندما يحصل شخص على البراءة فيقول “ما عليه شيء”، و”كويس” بمعنى حسن وجيد هي كلمة فصيحة وليست مأخوذة من لهجات آسيوية كما يظن الكثير، فهي تصغير لكلمة “كيّس” الفصيحة التي تعني الحسن، وتأتي أيضاً بمعنى فطن، و”الكيس” وسيلة لتوضيب الأغراض وحملها، وهذا على ما ورد في “العباب الزاخر” للصاغاني.
والعبارات “ماكو” تعني ما يكون، و”إيش” أي شيء، و“بدي” تعني بوِدّي، و“ليش” لأي شيء، و”كمان” كما أن، و“بتاعي” تعني متاعي.
ويشتهر على لسان أهل مصر استعمال “البتاع” بمعنى المتاع، وهو ما يملكه الإنسان ويختص به، وهو من إبدال الميم بالباء، وهذا في معجم تيمور الكبير.
و“استنى” تعني استأنى وانتظر، و“لسه” تعني إلى الساعة، و“هسه” إلى هذه الساعة، و“زي” تعني الملبس، وقيل كلمة “زي” بمعنى مثل أو شبيه، فيقال: زي كذا والقصد مثل كذا أو شبيه بكذا، وقيل أيضاً إن أصل “زي” من الكلمة العربية الفصيحة “سَيّ” وتعني المثل والشبيه، والمثنى منها “سيان”، فأبدل كثير من الناس السين زايًا للمعنى نفسه، وهذه من كتاب ذكريات لشيخ علي الطنطاوي.
و“شويّة” تصغير شيء أو “أشوى”، بمعنى أهون وأيسر، والاستعمال عربي فصيح على وزن أفعل من الشّوى، والشَّوْى في معاجم اللغة يعني الأمر الهيّن، وعبارة “برضو” يرى العلّامة اللغوي أحمد تيمور أن أصلها من كلمة “بأرضه” بمعنى أن الشيء ما زال على حالته ووضعه.
أما بعض الكلمات التي تدل على بلدان بعينها فنجدها فصيحة، مثل كلمة “وخا” المغربية بمعنى يتوخى،و”برشا” التونسية بمعنى الكثرة، وهذا في معجم “التاج” للزبيدي.
والكثير من الكلمات التي اعتقدنا عاميتها وجدناها من صميم الفصحى، يقول المفكر علي عزت بيغوفيتش “إن اللغة يد المخ” وصف عميق ويخدم حيوية مفهوم اللغة.
فحين تعرف الثقافة بأنها: “جميع النتاجات المادية والمعنوية التي أنتجتها المجتمعات عبر تاريخها في سبيل الحفاظ على ديمومة واستمرارية حياتها”، تكون اللغة هي ناقل ذلك النتاج وشكله، فأي مجتمع متقدم يعبر عن نفسه وحضارته وثقافته بواسطة لغته.
فالمجتمع من دون لغة سيذهب للنسيان، بل بالأحرى هو مجتمع مهمش يكاد أن يكون زائلًا، والمجتمعات القديمة التي نُقل تاريخها العريق إلى يومنا هذا، عرفناها بسبب قوة لغتها وبقائها حية.
كان الشاعر غازي القصيبي عاشقاً متيماً للعربية وحزيناً على وضعها، ويذكر أنه قال: عندما قرر الصهاينة إنشاء دولة لهم كانت اللغة العبرية لغة ميتة، بعثوها بعثًا مي المعاجم واستخدموا مفرداتها حتى عادت لغة حية، أما نحن فقد ورثنا أكثر اللغات حياة فبذلنا أعظم جهد لقتلها.
وفي الختام خاطرة جميلة للشاعر المصري سيد العديسي الذي أوضح أن اللغة ليست بالضرورة كلمات دالة، بل إن بعض كلمات التلميح تؤدي ما لا تؤديه كلمات التصريح، ويقول سيد: “كأي صعيدي لا أستطيع قول أحبك، وكلما قررت القفز على التقاليد لأقولها خرجت: كيف حالك؟ فاعذريني لأنني كيف حالك جدًا”.
إن اللغة روح خاص داخل كل لغة، روح لا يعرفه إلا أهله.