2020-6-4 - مجلة اليمامة
يبدأ اليوم، وكأن للشروق مرحلة ثانية، مرحلة أكثر خصوصية، اسمها القهوة. وحين تُسكب في الفنجان فإنها تُعطينا الإذن ببدء يوم جديد. ربما لأنها مشبعة بالروح الشعبية والمشاعر البِكر، وتعيد الانتباه إلى أوله.
فالشاعر إليوت، زعيم حركة الحداثة في الشعر، يعد أيام حياته بملاعق القهوة. ونزار قباني، حين يشرب القهوة مع حبيبته، يشعر بأن شجرة البن الأولى زُرعت من أجلهما. وكالقهوة، إذا أكثرت منه منعك من النوم، هكذا عرف الحب الأديب الساخر مارك توين. أما واسيني الأعرج، فلا يجد من يواسيه ويشاركه إلا هي: “لا أحتاج شيئًا خارقًا، فقط قهوة معك وبعض الراحة لأقول لك الرماد الذي في داخلي، والشموس التي لا تحتاج إلا ليد ناعمة تزيح عنها غيمة الخوف”.
ونبال قندس تقول بخجل: “أدسُّ عينيّ في فنجان القهوة كلما حاول رجلٌ استراق نظرة مني”. ونور البواردي تجد فيها غير ذلك، أن القهوة والموسيقى لا تجعلنا نبقى غرباء أبدًا. وإليف شفق، من زاوية أخرى، ترى أن القهوة مثل الحب، كلما صبرت عليها أكثر، ازداد طعمها حلاوة.
وإبراهيم نصر الله يريدها أبعد من ذلك حين ينصح صاحبه: “لا، لا تشتري القهوة منه مرة أخرى، قهوته خفيفة، خفيفة إلى حد أن رصاصة واحدة تمر في الجو تجعلني أصحو!”. وحوراء النداوي ترى أن “استشعار المشاعر دفعة واحدة مثل جرعة مركزة من القهوة، تفترش مرارتها اللسان وتلذعه بشدة”. وقبل ذلك، تنبهنا شيماء فؤاد بأن يبدأ الاستمتاع بمذاق القهوة بدءًا من إعدادها، لا من ارتشافها.
وربيع جابر يصفها وكأنها ارتداد النفس بين حزنين: “بينما رائحة القهوة تفوح، أحس بانشراح لا يُضاهى. في اللحظة التالية، هبط عليه الحزن أقسى من صخرة”. ويقول نذير الزعبي لحبيبته: “أرجوكِ ألا تمري ببالي بينما أشرب القهوة، فما زلت أحبها بلا سكر”. ولـ محمد الثبيتي هي “وطنٌ في الكؤوس يدير الرؤوس”.
أما محمود درويش، الذي امتزجت قصائده برائحة البن، فيُشرع الصباح والعذرية بهذا الاعتراف: القهوة هي مفتاح النهار وأوله، هي أن تصنعها بيديك، لا أن تأتيك على طبق، لأن حامل الطبق هو حامل الكلام، والقهوة الأولى يفسدها الكلام الأول، لأنها عذراء الصباح الصامت المتناهي، وفي الفجر نقيض الكلام. رائحة القهوة عودةٌ وإعادة إلى الشيء الأول، لأنها تتحدر من سلالة المكان الأول، هي رحلة بدأت من آلاف السنين وما زالت تعود.
أما صاحبكم فيقول: القهوة موسيقى مشروبة.