2021-10-17 - مجلة اليمامة
يعد المؤرخ والمترجم والأستاذ الجامعي قاسم عبده قاسم ( 26 مايو 1942م – 26 سبتمبر 2021)أحد أبرز القامات العلمية التي تعهدت أجيالًا كثيرة بالعلم والمعرفة وجاءت كتاباته التاريخية لتعطي المؤرخ صورًا أكثر مصداقية عما حوته الكتابات ذات الصبغة الرسمية حتى أصبح أحد أهم رواد المدرسة التاريخية منذ الربع الأخير من القرن العشرين. وهنا بعض من أرائه ورؤاه..
مكون الثقافة والفن..
يقول عن نفسه كان جدي، قاسم الكبير، مرشدي ومعلّمي في السنوات الباكرة من عمري: فقد كان تاجراً من أبناء الطبقة الوسطى؛ وكان فى الوقت نفسه مثقفاً ثقافة راقية كما كان يفهم الحياة ويحبها. فقد حفظ الكثير من تراث الشعر العربي، والقصص والحكايات والملاحم العربية مثل «ألف ليلة وليلة» و»حكايات كليلة ودمنة»… وغيرها. وكان نصيبي من حكاياته ومسامراته كبيراً لأني سُميت على اسمه، وكنت أول حفيد له. وغرس فيّ حب المعرفة والرغبة فى التعلم. وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على فترة دراستي الابتدائية ثم الإعدادية وبعدها الثانوية.
كان أبي رجلاً قاهري النشأة بسيطاً من أبناء الطبقة الوسطى. وكان حظه من التعليم قليلاً. وكان فناناً مرهف الحس هاوياً يغني ويعزف العود ويمارس التمثيل مع عدد من الأصدقاء والأقارب على مسارح بدائية يقيمونها فى منزل العائلة (حيث كان أعمامي وعماتي وأبناؤهم يقيمون جميعاً حسب العادات الاجتماعية آنذاك). وكثيراً ما كان يمارس هوايته فى العزف والغناء فى آخر النهار عندما يعود من عمله ليغسل إرهاق النهار بهذا الفن البديع. لم يكن أبي قارئاً مثقفاً مثل جدي، لكنه كان إنساناً راقياً. وبسببه أحببت الفن وتذوقته.
لم تكن مصر آنذاك قد عرفت التليفزيون، ولم أشاهده إلا وأنا طالب فى الجامعة فى النصف الأول من ستينيات القرن العشرين. وكان الراديو يقوم بالوظيفة الثقافية / الاجتماعية التى يقوم بها التليفزيون فى مجال الدراما على الأقل. وفى المرحلة الثانوية، بدأت أقرأ كتابات جرجي زيدان ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ومحمد فريد أبو حديد وأمين يوسف غراب وغيرهم… ثم بدأت أقرأ فى الأدب والتاريخ والفن والمعارف العامة. وعندما حاولت القراءة فى الفلسفة لم أفهم شيئاً ولم تكن تشدني الكتابات السياسية، إذ تأخر اهتمامي بهذا النوع من الكتابات إلى ما بعد تخرجي من الجامعة.
فى كلية الآداب، حضرت محاضرة بقسم التاريخ لأستاذنا الراحل الدكتور محمد أنيس. وحدث الانقلاب الأول فى سنوات التكوين. بيد أنه كان انقلاباً جميلاً، إذ كان هذا الأستاذ هو أول من نبهني إلى حقيقة أن التاريخ ليس علماً ينتمى للماضي، ولا حكاياتٍ للسمر تُروى عن سالف العصر والأوان. وأدركت فيما يشبه الإلهام أن هذه هي الدراسة التى اختارني الله لها، فاخترتها.
وفى قسم التاريخ، بكلية الآداب جامعة القاهرة أسهم عدد كبير من الأساتذة فى تكويني العلمي كما أسهمت الحياة الجامعية نفسها فى تكويني الاجتماعي. فقد كانوا أساتذة جمعوا بين العلم والمقام الرفيع والخلق السامي. وكانت تجمعني بهم علاقة حميمة على المستوى الشخصي على الرغم من أننى كنت طالباً صغيراً. وظلت العلاقة قائمة تزيد قوية مع الأيام حتى وفاتهم.
عشت الحياة الجامعية فى كلية الآداب طولاً وعرضاً وعمقاً، ولم أكن أترك أي نشاط فى الجامعة يفوتني إما مشاركاً أو مشاهداً ومتفرجاً. على مستوى الثقافة العامة، كان النشاط الجامعي مصدراً مهماً من مصادر تكويني. وعلى مستوى القراءة، بدأت أقرأ فى مجالات جديدة لم أكن عرفتها فى المرحلة السابقة من عمري. عرفت الطريق إلى القراءة فى الفلسفة. وكان من حسن حظي – ولعلُه كان من أسباب إقبالي على هذا المجال – أن أستاذنا الدكتور محمد أنيس دعا المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي ليلقي عدداً من المحاضرات في قسم التاريخ. وكنت ممن استمعوا لتوينبي. ولكنى حقاً لم أفهم كثيراً مما كان يقوله الأستاذ مع أنى أدركت على نحو غامض أن الرجل يقول كلاماًمهماً. لم أكن مهيئاَ بعد للفهم رغم استعدادي للتعلم… وبعيداً عن الدرس والقراءة، مارستُ كافة أنواع النشاط الجامعي باستثناء الرياضة بطبيعة الحال بسبب قلة قدرتي البدنية.
كان المسرح بابي الذي دخلت منه فيما بعد إلى عالم السياسة المذهل المربك والمحيِر بتناقضاته، وتشابك العلاقات الإنسانية داخله. وتعرفت بفضل المسرح على الكثير من مشكلات مصر والعالم العربي الاجتماعية والسياسية.
أما تكويني العلمي والأكاديمي فلم يتوقف لأي سبب. وقد اتخذ مسارين أساسيين أحدهما فى الدراسة الأكاديمية المنتظمة: فقد حصلت على درجة الماجستير من قسم التاريخ بجامعة القاهرة في 1972، ثم نلت درجة الدكتوراه فى التاريخ من الجامعة نفسها سنة 1975. وكانت الرسالتان في مجال التاريخ الاجتماعي تحت إشراف أستاذي المرحوم سعيد عاشور.
كما أن الفائدة الأكاديمية التي تحصلت عليها فى لندن وباريس كانت عظيمة بكل المقاييس. فقد تعلمت الكثير وكان هذا الكثير موزعاً على المعرفة التاريخية بكل جوانبها والمعرفة الإنسانية عموماً. تعلمت الأساليب البحثية الحديثة وتعرفت على كافة الاتجاهات والمدارس فى الدراسات التاريخية، وعرفت عدداً من الأساتذة الكبار. وحضرت لقاءات وندوات وحلقات بحث ومناقشات كشفت لى آفاقا رحبة فى مجال الدراسة التاريخية.
عن الفرق بين الماضي والتاريخ..
يعلمنا التاريخ فى مفهومه الحضاري أنه أيًا كانت جاذبية التشابهات بين الماضى والحاضر، فإن الماضي لا يعود أبدًا، أى لا يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه. لكن هذا، من ناحية أخرى، لا يعني أن التاريخ قصة تنتمي إلى الماضي الذي انتهى. فالتاريخ لا يحكي ما حدث في الماضي فحسب، وإنما يفسره بأن يقدم لنا أسباب الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية…
في أهمية الأسطورة..
كانت الأساطير والحكايات الخيالية القراءة الأولى لتاريخ البشرية في زمن لم يكن الإنسان فيه قد أمسك بزمام السيطرة على الطبيعة من ناحية، ومن ناحية ثانية لم تكن لديه التسجيلات “التاريخية” التي تمكّنه من معرفة الماضي. وهو ما يعنى أن الأساطير لم تكن كلها خيالاً، بل كانت تراكمات من الفكر والخيال البشري حول بذرة من الحقيقة التاريخية. ومع مرور الزمن، زادت قدرة الإنسان على إعادة تذكر تاريخه بفضل ما أتاحت له التسجيلات التاريخية الأولى من إمكانيات في هذا السبيل. وتقدم التاريخ على حساب الأسطورة، بيد أن العلاقة لم تنفصم بينهما، فبقي التاريخ موجوداً في الأسطورة كما بقيت الأسطورة كامنة في بنية السرد التاريخي.
عن الخيال والإبداع ودورهما في التاريخ..
على مسؤوليته العلمية يقول الإبداع الخيالي مصدر مهم من مصادر المعرفة التاريخية. فهو يكشف لنا الجوانب التي لا تتحدث عنها المصادر التاريخية التقليدية. صحيح أنه لا يقدم لنا الوقائع والأحداث والأماكن والأشخاص في الصورة الحقيقية وإنما يعيد صياغة الأحداث وبناء الشخصيات والتنقل بين الأماكن تحقيقاً لغرض نفسيّ جماعيّ تتوخاه الجماعة التي أبدعت هذا الإبداع، ما يعني أن تلك الصياغات الإبداعية لأحداث التاريخ ليست سوى قراءة تعويضية شعبية تلبي حاجات الجماعة الإنسانية. والباحث أو المؤرخ الذي لا يتمتع بالخيال لا يستطيع أن يفهم الحركة التاريخية ويقدرها حق قدرها لأنه يحتاج إلى الخيال لكي يستطيع أن يتفهم دور الخيال في الروايات التاريخية التي كتبها المؤرخون المعاصرون، ولكي يفهم الصورة التي كان عليها المجتمع الذي أفرز هذا الخيال، ولكي يتصور شكل الحياة والنظام القيمي والأخلاقي في المجتمع الذي يدرسه. ولا يمكن لباحث أن يزعم أنه يفهم مجتمعاً من المجتمعات من دون أن يتعرف على إبداعاته ومقاصد خياله، من خلال أساطيره وملاحمه وسِيره الشعبية وإبداعاته كافة، ليساعدنا هذا كله على التمحيص الحقيقي في كنوز المعرفة التاريخية التي سكتت عنها المصادر المادية والمصادر المكتوبة التقليدية.
التاريخ والحضارة..
يستهل تعريفه للتاريخ بأن التاريخ هو الحضارة في أحد معانيه. فالتاريخ والحضارة مترادفان يحملان معنى واحداً. فهو يحمل قصة الإنسان فى الكون، ورحلته عبر الزمان، وهي رحلة ما تزال مستمرة. كانت خطوات الإنسان الأولى فى مسيرته التاريخية هى نفسها خطواته الأولى فى محاولة بناء الحضارة. ولذا، كانت رحلة الإنسان ورحلة تاريخه ورحلة حضارته واحدة. ولذا كانت رحلة المعرفة التاريخية، أو «تاريخ التاريخ» موازية لرحلة الإنسان عبر الزمان. ومن ناحية أخرى، كانت الحضارة هى ما أنجزه الإنسان، على المستويين المادي واللامادي على امتداد هذه الرحلة وحتى الآن. وفى عصرنا الحالي، نجد فى مواجهتنا سؤالاً يطرح نفسه بإلحاح: هل لدينا منظور حضاري للتاريخ؟
إن قراءتنا الحالية للتاريخ قراءة ماضوية تهرب من مواجهة مسؤوليات الحاضر والمستقبل لدغدغة مشاعر الزهو الكاذبة بإنجازات الماضى وتخفت القدرة على قراءة تاريخنا قراءة واعية، بل أن التاريخ مطارد فى مدارسنا وجامعاتنا .
إن الحرية شرط جوهري للإبداع ، وعندما تنزاح العصبية العمياء الجاثمة على الحياة العامة فى العالم العربى، ربما يتحقق ما نصبو إليه من «قراءة حضارية» للتاريخ.
حركة التاريخ..
علّمنا التاريخ، أيضا، أن نتذكر على الدوام أننا بشر نتحرك فى رحاب المكان وداخل إطار الزمان . ولأن دراسة التاريخ تهتم بثلاثية الإنسان والمكان والزمان ، كما تهتم بالعلاقة السببية؛ فإنها توسع من مدى إدراكنا لحقائق الفعل التاريخى الذى ينتج عنه البناء الحضارى فى أى مجتمع من المجتمعات البشرية. وليس معنى هذا ، على أية حال، أن معرفة التاريخ أو دراسته سوف تدلنا ببساطة على ما يجب أن نفعله بالضبط، ولكن المعرفة التاريخية ربما تساعدنا على تجنب تكرار الأخطاء. فالتاريخ يمكنه أن يعلّم وينبّه ويحذّر. ولكن، لا يستفيد من التاريخ سوى من يحسنون الاستماع إليه. ولسنا نزعم أن التاريخ يقدم حلولاً للمشكلات ولكن المعرفة التاريخية تجعلنا نقف على الأسباب وزمن وقوع الأحداث وكيفية حدوثها. فالتاريخ يدرس الماضى بسبب الرغبة في المعرفة التاريخية التى كانت تلازم الإنسان منذ بداية رحلته فى الكون بشكل يكاد يكون غريزياً، إذ أن الإنسان جُبل على السعي لمعرفة الأصول: أصول الكون ومظاهره، أصول الوجود الإنسانى نفسه، وأصول الظواهر الاجتماعية والثقافية التي يعيش في إطارها. وعلى الرغم من أن الأسطورة والدين والفلسفة جميعها حاولت تقديم الإجابات عن الأسئلة المتعلقة بالأصول على نحو أو آخر، لا تزال الأسئلة المتعلقة بالمصير (لماذا ؟ وإلى أين؟) تحيّر الإنسان وتربكه إلى الآن.
التحليل التاريخي..
يتعامل المؤرخون، في قراءتهم للماضي الإنساني بطبيعة الحال، مع الحقائق في ماضٍ حقيقي، وهي حقائق ترتبط بالواقع ارتباطاً راسخاً. ويتأكد المؤرخون من طبيعتها من خلال التواريخ التي تدعمها الوثائق، ولكنهم مع هذا، لا يتعاملون مع الحقائق فقط، وإنما يتعاملون أيضاً مع المشاعر والأحاسيس والدوافع والأسباب التي أفرزت تلك الحقائق. ويحاول المؤرخون الفاهمون وضع تلك الحقائق التاريخية في سياق الحياة الاجتماعية التي أفرزتها وتفهم معناها وإيقاعها. وهذا ما يسميه المؤرخون “التحليل التاريخي”، أي المقابلة والاستنباط ومحاولة فهم ما لا تقوله سطور المصادر التاريخية التقليدية. فالحقائق لا تتحدث بنفسها، وإنما يمكن أن تنطق بشيء ما في حالة واحدة لا تتوافر إلا عندما يتم ترتيب هذه الحقائق التاريخية المجردة التي لا تشكّل تاريخاً بحد ذاتها.
من هنا، تأتي أهمية «قراءة التاريخ». ذلك أن التاريخ يمتاز عن الفلسفة والفن والأدب (على الرغم من اشتراكه معهم في كونه طريقة للنظر إلى التجربة الإنسانية)، يمتاز بأنه يختار من التجربة الإنسانية ويصدر أحكامه. فهو يقلب التجربة التاريخية الإنسانية مرات ومرات بحيث يجد، في كل مرة، علاقات جديدة في تجربة كان الجيل الأسبق قد استبعدها أو أسقطها. وقد ينحّي جانباً بعض العناصر التي يرى أنها فقدت جدواها، لكن جيلاً جديداً يأتي في المستقبل وربما يجد، من خلال البحث التاريخي، معنى جديداً في ما أهمله الجيل الحالي. فالاجيال تعيد قراءة التاريخ مرات ومرات بحيث توظف الحقائق التاريخية، والعلاقات التي تربط فيما بين هذه الحقائق، لصالحها و لخدمة أغراضها. وما قد يسقطه جيل سابق قد يجد فيه جيل لاحق بعض المعنى والفائدة فيعيد قراءة التاريخ على أساسه.
واجب المؤرخ وهدفه..
واجب المؤرخ أن يصل الماضي بالحاضر بطريقة إبداعية خلاقة، ومن ثم فإن هدف المؤرخ لا يمكن أن يكون مجرد عرض حقائق التجربة الإنسانية وفهمها فحسب، وإنما بعثها بإعطائها القيم والمثل الحافزة والبناءة والمرتبطة بعصره. وهذا هو السبب في أن التاريخ لا يكتب فقط وإنما تعاد قراءته مرات ومرات عبر رحلة الإنسان التي لم تتم بعد، عبر الزمان. وغالباً ما يقال إن كل عصر يكتب تاريخه الخاص، لأن كل عصر سوف يحاول تقديم تقييمه الخاص لما هو «مهم» في ماضيه وسوف يميل إلى رؤية الماضي في ضوء اهتماماته وانحيازاته. هذه حقيقة يمكن تلخيصها في العبارة المدهشة ”التاريخ حوار بين الحاضر والماضي“. ومعنى هذا، في تصوري، أن التاريخ يتأثر بالمادة والظروف الأخلاقية السائدة في المجتمع وفي العصر الذي تتم قراءته فيه. وقراءة التاريخ هنا ليست شذوذا عن كل الأنشطة الفكرية التي لا بد أن تتأثر بالبيئة والظروف والعصر. فكل نشاط فكري أو علمي لا بد أن تكون له وظيفة ثقافية-اجتماعية في خدمة الجماعة الإنسانية في عصرها، أي أن هذه الوظيفة الثقافية-الاجتماعية تتغير من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر. ومن هنا تأتي اختلافات «قراءة التاريخ» من عصر إلى عصر آخر.
دور المؤرخ في العصر الحاضر..
خلاصة القول، إن التاريخ «يحدث» والمؤرخون «يقرأونه» في كل مرة يحاولون فيها «كتابته›، وقد مرت هذه القراءات بتطورات كثيرة عبر التاريخ الطويل لتاريخ الفكر التاريخي نفسه. ومن ثم تغيرت مهمة المؤرخ بالضرورة. ففي الزمن القديم، كانت غاية «قراءة التاريخ» حكاية ما حدث وتسجيله، وكانت مهمة المؤرخ أن يحكي «ماذا» حدث، ولذلك ظهرت «قراءة» المؤرخين القدامى للتاريخ نوعاً من التدوين والتسجيل، ولكنه كان في الحقيقة «قراءة» تعكس وجهة نظر المؤرخ من ناحية، وقراءة عصره للتاريخ من ناحية أخرى.
ولأن وسائل حفظ المعلومات وتدوينها تطورت بشكل مذهل، فإن مهمة المؤرخ المسجل والحافظ والراوي لم تعد لها ضرورة مع تغيّر وظيفة المعرفة التاريخية في المجتمع الإنساني. فلم تعد مهمة المؤرخ أن يحكي «ماذا» حدث، أو يسجل، وإنما صارت مهمته أن يفسر لنا «لماذا» حدث ما حدث،. وهو، يعني في التحليل الأخير أن «قراءة التاريخ» صارت تبدأ بكلمة ‹لماذا»، ولم تعد تقع بالحكاية والتسجيل الذي يجيب عن السؤال الذي يبدأ بكلمة «ماذا».
رحيل الدكتور قاسم عبده قاسم..
برحيل الدكتور قاسم عبده تخسر مكتبتنا العربية عنصراً حيوياً ومهماً في علم التاريخ عصيّاً على التكرار، وقاضياً يقف خارج الحدث بمسافة زمنية تقيه من مغبة التحيز إلى أيٍّ من أطراف الحدث، فكل مؤرخ فذ يرسم أفقاً جديداً لمن بعده. محظوظون نحن لأن الدكتور قاسم ابتكر لنا ذلك الأفق الواسع والبعيد.