2022-5-12 - مجلة اليمامة
لطالما كان الفنان صيرورة الشاعر بين الناس واللحن اختباره الأول. تدفن الكلمات حتى يأتي لحن يشعل فيها جذوة الحياة من جديد. وتذبل القصيدة واللحن إذا لم يسقِها صوت المغني.
كيف تحولت “ فوق إلنا خِل” لناظم الغزلي الى “فوق النخل” عند صباح فخري ومجايليه، من حبيب يسكن الطابق العلوي الى شيء يسكن فوق النخل وبكل تأكيد ليس الحبيب. ان ما انتقل ليس القصيدة بل اللحن!
نفس اللحن كفيل بأن يجعل لكل منا قصة خاصة وهذا ما لا تفعله الكلمات، الموسيقى هي التي تعبر عما لا يمكنك قوله ولا تستطيع السكوت عنه كما قيل، ولاغرو في أن تُصنف عقول الفنانين – ومنهم الملحنون- بين رتبة الفلاسفة والعلماء. مؤخراً وليس أخيراً أحد علماء جامعة هارفرد طرح مفهوم الذكاءات والتي كان في طليعتها الذكاء الاجتماعي و الذكاء الموسيقي والموسيقي العبقري “هانز زيمر” خير مثال. الموسيقى أصبحت أهم الفنون ورافداً كبيراً للعلوم ودلالةً على التحضر ومعيار للذوق. وإذا كانت اللغة اخر مناطق الاحتلال لثقافة معينة فإن اللحن عصي على المحو والاندثار، يصبح اللحن مع الوقت جينات لا مرئية للشعوب.
قبل أيام انشغلت الشبكات الاجتماعية حين انقسم رواد مواقع التواصل بين الدفاع والهجوم على تصريحات الفنان محمد عبده – الفنية – على حد تعبيره، وكان جمهور الاستاذين الكبيرين طلال مداح وابوبكر سالم على الموعد. فتحوا أراشيفهم وأخرجوا سجلاتهم وفتحوا تسجيلاتهم وحدوا سكاكين الكلمات وصوبوا تغريداتهم الغاضبة، لم يحدث من قبل أن شاهدنا حراكاً موسيقياً بهذا الاهتمام والانتشار على الأقل في شبه الجزيرة. كان التراشق الفني في البداية عن اراء الأستاذ ثم تحولت المعركة الى ميدان سرقات الالحان، ولم ينتهِ الأمر الى هنا بل أقتحم هذا السجال أطيافاً لم يُعهد عنها الدخول في مثل هذه المجابهات كالمعروفين باشتغالهم في حقل الفلسفة والفكر والأدب والرياضة والفن التشكيلي، وحتى مؤدي الأناشيد ومغنيين الشيلات.
كان من الواضح أن التعبير عن الرأي كانت دوافعه أما تعصباً للاستاذين طلال وابوبكر وأما استنكاراً للطريقة التي انتقد فيها فنان العرب رفاق دربه وشركاء البدايات.
قال محمد عبده أن لحن – وطني الحبيب – الاغنية الوطنية الأشهر (مسروق) – ولم يوفق في الوصف قانونياً على الأقل- الكلمة التي ألقت بجبل من الحجارة الصلبة والمستعرة في بحيرة السكوت المر عند “الطلالية” الذين لطالما أنتهت الحوارات بينهم وبين “العبداوية” إلى أن طلال ليس تاجراً ومحمد ذكي. يبدأ الحوار فنياً وينتهي بالترحم على الفنان (الإنسان) ولم يعهد الطلالية هذا التصعيد غير المبرر من أبو نورة طوال تاريخه.
هل كان اللحن مسروقاً أو متأثراً بغيره؟ للإجابة على هذا السؤال نحتاج أولاً أن نستعرض المصطلحات الفنية المتداولة والحالات القانونية المعروفة في هذا الخصوص بعيداً عن قصة اللحن الذي أشعل النيران.
لا يكون اللحن (مسروقاً) إلا في حالة واحدة، اذا نقل أكثر من 4 موازير موسيقية كاملة متتالية من لحن الى لحن آخر فإن ثبت النقل تم تجريمه وأعتبر عملاً جنائياً بصفته اعتداء على الملكية الفكرية ( المازور هو وسيلة قياس الأزمنة التي تستخدم في تحديد طول النغمة، والجملة اللحنية تتكون من عدة موازير)، أقل من 4 موازير لا يعتبر سرقة بل (نقل) لا يجرم بالقانون ولكنه ينقص من قيمة وأصالة العمل. ويكون (اقتباساً) إذا شمل التنويع على جملة في لحن أخر وقد لا يتعمد اللحن بقدر ما يشتق منه جملة موسيقية أو بعضاً منها ليخرج بأفكار وأبعاد جديدة وقد يكون متشابهاً. أما في الأسلوب وهذا يحدث كثيراً عند ملحني نفس الفترة أو تشابه الجمل اللحنية وهذا يقع تحت طائلة القانون. و (التأثر) يكون إما في الأسلوب وهو مسموح وإما في الملحن أو المؤلف، وقد يجرم إذا تشابهت اربع موازير بشكل متتالٍ، أو يكون (توارد خواطر) لكن هذا لم يعد متصوراً إلا في اضيق الحدود في هذا العصر عصر الثورة المعلوماتية والتواصل. و (النقل البريء) هو ما تم من دون وعي او قصد من الملحن في حدود المسموح. ويجب على الملحن تعديله وحذف المنقول بعد معرفته بذلك. وهناك (النقل الكامل) وهو أن يحصل الناقل على اذن قانوني من صاحب اللحن الأساسي إلا اذا كان ملكية شائعة بالتقادم وفي الحالتين يلزم الناقل بذكر اسم الملحن الأصلي.
هذا ما أتفقت عليه القوانين تقريباً، ونحن في الوطن العربي لم ندخل رحاب التوثيق والملكية للمؤلفين والملحنين إلا عام 1954 حين تم استصدار (قانون الحقوق الفنية) في مصر والذي كان أحد ثمار جمعية المؤلفين والملحنين في القاهرة المتفرعة من الجمعية في باريس وبعدها صدر قانون حقوق المؤلف رقم 354، ما دفع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب إلى القبول بأن تعاد أغانيه بأصوات الاخرين لأن هذا يوظف ألحانه بشكل جديد دائماً. عبدالوهاب كانت له نظرة شخصية مغايرة عن ما اعتمدته القوانين والجمعية؛ في لقائه مع الإعلامية ليلى رستم حيث قال: “إنك تاخدي جملة موسيقية وتحطيها، ده يبقى اسمه نقل، ووفقًا للمعيار الذي وضعته جمعية الموسيقيين لتقدير حالات السرقة اشترطت نقل أربعة موازير كاملة”. لكن موسيقار الأجيال أبدى اعتراضه أيضًا على هذا المعيار قائلًا: “ده خطأ، لأن العبرة بصدارة الحتة – يقصد الجملة الموسيقية – وبشخصيتها، فمن الممكن أن تتكون الحتة من مازورة أو اتنين لكن شخصيتها تحسسك إنها متاخده كاملة، أنا عملت كده في بداياتي وتحديداً في “يارود مين يشتريك” ، اللي خدتها من بيتهوفن و”أحب عيشة الحرية” اللي خدتها من فلكلور روسي. كان لازم أقول أنا اقتبستهم من مين”. عبدالوهاب أخذ لحن “يا مسافر وحدك- 1942” من لحن الأغنية اليونانيةPoso Lypamai، مع أسفي الشديد، للمغنية صوفيا فيمبو الصادر عام 1939م و مقدمة “جفنه علم الغزل 1933” نقلها من مقدمة الأغنية الكوبية “بائع الفول السوداني” (El Manisero)، عام 1930. ولـ فيروز والرحابنة تجارب كبيرة في الأخذ من الموسيقى العالمية التي لا تبدأ بالسيمفونية 40 لموزرات ولا تنتهي بألحان جون لينون.
نحن هنا نتحدث عن الصف الأول في الموسيقى العربية فما بالك بمن بعدهم!
الزاوية التي ينظر منها موسيقار الأجيال هنا زاوية إبداعية صرفة وليست زاوية حسابية كما هو مقنن اليوم، قبل أعوام استخدم موسيقيّ ومحامٍ اسمه داميان ريل مع نوح روبن المتخصص في برمجة الكمبيوتر خوارزمية حاسوبيّة كي يصوغ جميع الألحان الممكنة، في محاولة منه ترمي إلى وضع حد لدعاوى قضائيّة تزعم انتهاك حقوق التأليف والنشر. وصمّم برمجيّة حاسوبيّة في مقدورها صياغة 300 ألف لحن في غضون ثانية، مبتكراً دليلاً موسيقيّاً ضخماً يتضمّن 68 مليار لحن، يتكوّن كل لحن منها من ثماني نغمات أو أصوات موسيقيّة.
وفي المرحلة اللاحقة، سُجلت حقوق التأليف الخاصة بتلك المقاطع الموسيقيّة ونُشرت علانية كي تكون متاحة للجمهور، أملاً في إسكات الموسيقيين المولعين برفع دعاوى قضائيّة مدّعين سرقة مؤلفاتهم.
من جهة أخرى، كان عبده الحامولي المطرب الأهم في نهاية القرن التاسع عشر في مصر ومنافسه محمد عثمان يتداولان الحانهما في الحفلات وكل منهم يطور ما يغنيه من لحنه أو لحن صاحبه. ولم يكن هذا تعدياً أو ممارسة غير طبيعية! وفي سميفونتيه الخامسة أخذ بيتهوفن مقاطع من سيمفونية موزارت الأربعينية، وايضاً بسبب تطابق الحان سيفمونية برامز الاولى مع السيفونية الخامسة لبيتهوفن أطلق النقاد عليها السيمفونية العاشرة لبيتهوفن حيث أنه لم يكتب الا تسع. موزارت وباخ وتشيكوفسكي أخذوا الكثير من التراث الكنسي الأوروبي ومن الموروث الشعبي. بطبيعة الحال يصعب على الانسان أن يؤلف أو أن يتعلم من دون أن يكون لديه على الاقل رصيد من الذكريات اللحنية والتي قد يحسبها من وحي ابداعه وماهي الا تجليات لتجارب الاخرين دون أن يدرك ذلك.
وللنقل والاقتباس دور أساسي في بقاء الموروث الفني؛ فالاغنية اليمنية من حوالي 60 عام وهي تُغسل وتكوى في الخليج العربي وذلك لتوفر عدة عوامل كالاستقرار والامكانيات الإنتاجية، حيث كان لفناني الخليج إسهام جوهري في حفظ وتجديد الموروث السمعي وإظهاره بشكل لائق يواكب العصر، وعلى رأس القائمة فنان العرب وصوت الأرض وغيرهم الكثيرين، محمد عبده تحديداً طار بالألحان اليمانية بتنوعاتها إلى خارج الحدود اليمنية و”جل من نفس الصباح” واخواتها خير دليل.
وليس بعيداً عن البلاد اليمانية في الحجاز هناك مجموعات غنائية تأسست من حوالي 800 عام تغنى على إيقاعات ومقامات كالصبا والسيكا والكرد والبنجكة والرودمان وما “عروس الروض، وفارج الهم، وجس الطبيب، وعلى العقيق” إلا ثمار جهد ومواظبة تلك المجموعات التي حافظت على حياة تلك الالحان دون الادعاء بامتلاكها. ولا ننسى قصة الملحن الكبير بليغ حمدي الشهيرة حين أخذ أحد ألحان المجرور الحجازي للمغني فوزي محسون ووظفه في اغنية “الحب كله” وقد أعتذرت أم كلثوم للفنان فوزي محسون بزيارة شخصية.
اليوم أصبح هناك حقوق للملكية الفكرية والتي من ضمنها حقوق المؤلف في مختلف الدول العربية كما أنضمت للاتفاقيات الدولية التي تُعنى بهذا الشأن، ورغم ذلك فلا زالت السرقات والاقتباسات الفنية والأدبية في انتشار، مما حدا بموقع اليوتيوب اليوم الى انفاق مبالغ ضخمة لإيجاد برمجيات تسمح بكشف النشر غير الشرعي وكذلك فعلت شركة فيس بوك ودون أي اعتبار لحالات التشابه والاقتباس.
تحفظ حقوق المؤلف الموسيقي لمدة خمسين عاماً بعد وفاة صاحبها لتتحول بعد ذلك الى ملكية عامة. وعند حدوث نزاع في ملكية اللحن فأن القضاء يلتزم بندب أهل اختصاص من الخبراء الموسيقيين للبت في الأمر. وسيكون الناقل محظوظاً حتماً ان كان الخبير على مذهب محمد بن عبدالوهاب موسيقار الأجيال.