عمر الخيام

2022-5-18 - رشم للنشر والتوزيع

هذا اليوم 18/مايو، يوافق ميلاد العالم والشاعر عمر الخيام وهذه القصيدة التي أكتب عنها،عمرها قارب 1000عام، ومرت بالكثير والمثير؛ أشخاص وأزمنة وأماكن وأقدار، سفر لم ينتهِ الى هذه اللحظة.

لا تفرّط الأمم في ذخيرتها من الإبداع الفني والمعرفي، هي هويتها الضمنية، وإن طال الأمد. ورحلة الإبداع رحلة شاقة محفوفة بالمتاعب، فيظل الابداع يقتفي أثر المتعة برعاية الألم إلى النهاية.

تمثل شخصية بطل القصة، عمر الخيام، شخصية المواطن العالمي الشخصية الباحثة عن التسامح الكوني من خلال الإنسانية. مواطن لا يتقيد ببلد ولا يستقر في وطن كما هو حال قصيدته. مكابداً للمعرفة وجحيم البحث ومجاهداً في سبيل اليقين.

راصداً علم الفلك، ذلك العلم الذي يعنيه في وعيه بطموح، وفي لاوعيه بوضوح في رحاب المطلق السامي. عالما في أحوال الرياضيات، كمن يبرر المنطق لنفسه قبل كل تجلي وبعد كل تخلي.. شاعراً، بارعاً في الوصف فارعاً في الاحساس.

تقول حكاية القصيدة:

يطلب قاضي قضاة سمرقند من ورّاق يهودي صناعة كتاب فاخر أوراقه بملمس الحرير يضمها جلد خشن، صفحاته بيضاء كأيام الخيام.

تمر السنوات دون أن يكتب فيه، حتى لا يكون دليل إدانة عليه، بعد أن جيء به مكبلاً إلى القاضي بتهمة الاشتغال بالكيمياء. يكتب حيناً وحيناً يخشى ما كتب، يدفن الكتاب قبل نومه، وكل صباح للكتاب حياة جديدة.

تبدأ الحرب، فيحار عمر، فهو الهارب من كل شيء إلى حيث لايعلم! يصرف له الوزير *نظام الملك* ما يكفيه لسنة كاملة ويفرغه للمرصد وأبحاث علوم الفلك، التي ستكون لاحقاً هي التقويم السنوي لبلاد فارس، يعيش في رغد مع حبيبته جهان ويقضي الأيام منكباً على العلوم سارحاً بين النجوم!

لم يكن لعمر سر في حياته إلا كتابه الأثير، تمر أيام عمر ويسقي الصفحات روحاً وحبراً. يُفجع في موت الوزير المغدور، المقتول بأمر من صاحبهما *حسن الصبّاح* الذي سيكون لاحقاً مؤسس اخطر حركة سرية في العالم!

كان الكتاب بمعية القاتل، في طريقه الى قلعة النسر بطلب من الصبّاح، الكتاب الذي أخفاه عمر عن الصبّاح في لقائهم الأول حين قاسمه النُزل قبل عشر أعوام. محاولة لإغراء الخيّام بتعقّب رباعيّاته إلى حيث وصلت، عنده!

يصل الكتاب ويندهش الصباح من ما فيه! ويحفظه في حفرة في الجدار محروساً بشبكة من المعدن. يموت الصبّاح وتمر ثلاثة أجيال في القلعة دون أن يملكوا الجرأة على الاقتراب من الكتاب “السر” .

وكان لابد للقيد يوماً أن ينكسر، وللشعر أن ينتشر، يقرأه حفيد الصباح ويصفه ككتاب عظيم من ويصنفه من كتب الحكمة وتعتمده الطائفة. تنتهي قلعة ألَموت، *هولاكو* أحرق القلعة. هناك من هرب!

بعد قرون! يأتي الشاعر الانجليزي *فيتزجرالد* عام 1859، صاحب الروح التأثرية، الروح التي املت عليه بأن يتقمص حالة الخيام، ترجم الرباعيات ليس لغرض ترجمتها ولكن لكي يتمثل شاعرية الخيام ومن ثم يبدع رائعته هو.

يحسب له إحياؤها من جديد رغم أنه لم يكن محققاً أو ضليعاً في الفارسية، ورغم أن هناك من ترجمها من الأوروبيين قبله كتوماس هايد. عبره عرفت أوربا الخيام وتسابق الشعراء العرب على ترجمة النصوص من الإنجليزية.

في عام 1922، في باريس شاب مصري اسمه أحمد رامي -سيكون لاحقاً شاعر الشباب- بدأ ترجمة الرباعيات عن الفارسية، حين أوفدته دار الكتب المصرية لدراسة اللغة الفارسية، فرجع إلى نسخ الرباعيات المخطوطة في دار الكتب الأهلية بباريس.

وسافر عام 1923 إلى برلين لمراجعة نسخة مخطوطة في مكتبتها الجامعية، وعاد إلى باريس فراجع مخطوطات مختلفة للرباعيات في مدرسة اللغات الشرقية. وفي العام التالي سافر إلى لندن لمراجعة مخطوطات في المتحف البريطاني، ومخطوطات جامعة كمبريدج، ثم عاد إلى باريس وانقطع للترجمة.

ورجع إلى مصر ونشرها يقول في أحد لقاءاته أنه درس الفارسية حتى يترجم الرباعيات!

طلب أم كلثوم من رياض السنباطي أن يلحنها، فيصوغ لحناً ساحراً على مقام الرست محفوفاً بالحجاز، والحقيقة أن السنباطي لم يستخدم سلم الراست كما هو… وإنما لف ودار حول المقام .

والراست المقام الرئيسي والمهيب في الموسيقى الشرقية، ويعتبر أكثرها وضوحا في الشخصية، والمعبر عنها، من المقامات المفضلة لتلاوة الأذان لما فيه من وقار، وجدية.

تغنيها أم كلثوم فيُكتب للقصيدة رحلة جديدة لاتنتهي!