2023-2-16 - مجلة اليمامة
اللغة هي العدسة التي نتعرف بها على الآخر والعنصر الأساس في تكوين أفكارنا؛ ليس من صياغتها من كلمات ورموز فحسب، بل أيضاً من أنها نسق يضم الكلمات والرموز والمعاني مختلطة بالمشاعر والتصورات والقصد، فضلاً عن أبعادها التربوية والثقافية والحضارية. واللغة والفكر متلازمان، إذ يعتمد الفكر على اللغة في إنجاز مختلف العمليات الذهنية، خصوصاً تلك ذات المستويات العليا في التعقيد. فكلما كان تمكُّن المتعلّم من اللغة راسخاً كانت هذه العمليات أسهل عليه.
وفي غالب الامر، اللغة تولّد الهوية، فالعلاقة بين اللغة والهوية تُعَدّ احدى اهم ركائز المجتمع وتتجلى بوضوح في الوظائف التي تنجزها اللغة في إطار التعبير عن الهوية واستمرار حيويتها، باعتبارها وعاءً للفكر وأداةً للتفكير، إضافة إلى كونها وسيلة للتفاهم والتواصل الاجتماعي، وعنوان هوية الفرد والمجتمع.
ولقد أوضح الزعيم الإفريقي الراحل نيلسون مانديلا هذا المفهوم بقوله: “لو تحدثت إلى شخص بلغة يفهمها، يدخل حديثك رأسه. لكن لو تكلمت إليه بلغته، يدخل حديثك قلبه”. فالكلمات إذاً أحجار لبناء المشاعر الأساسية. وفي ثقافاتنا، صنع البشر بهذه الأحجار مداميك المباني والمعاني اللغوية على مدى آلاف السنين. ويتبدّل التعبير اللغوي بتبدّل بيئاته والتصورات الذهنية عند الأفراد الذين يتشاركون لغة محدّدة.
ولنأخذ تسميات الأشياء على سبيل المثال: بعض اللغات ينجح في تمييز لونٍ يتدرّج بين الأزرق والأخضر، في حين تعجز لغات أخرى عن تمييزه لأسباب كثيرة منها غياب هذا التدرّج عن يومياتها أو لقلّة جدوى هذا التمييز، كأن نجد أن لكلمة “ثلج” عند العرب صورة ذهنية واحدة، أما عند شعب الإسكيمو فتصويراته وفيرة. والعكس صحيح حين نتحدث عن “الجمل”، حيث لكل شكل من أشكاله عند العرب اسم خاص به يمثّله.
لغات كثيرة باتت تختفي حالياً بوتيرة متسارعة تبعث على القلق. ووفق تقديرات الباحثين فإن نصف سكان العالم يتحدثون 50 من الـ 7 آلاف لغة الموجودة في العالم، والنصف الآخر يتحدث البقية أي 6950 لغة. ومنذ سنوات، أصدرت منظمة اليونسكو أطلس لغات العالم التي تواجه خطر الاندثار. والقاسم المشترك بين كثير من اللغات المهددة بالانقراض هو أنه ليس لها أبجدية مكتوبة أي أنها لغات محكية.
إن انقراض أي لغة يعني خسارة ثقافية لا تعوض. بمعنى آخر، فناء عالم خاص بأكمله له تقاليده وثقافته وناسه، عالم كامل تطويه صفحات التاريخ من دون أثر يدل عليه.
نصف اللغات المندثرة لم تكن مكتوبة، فتعلَن وفاتها بوفاة آخر الأشخاص المتحدثين بها، واختفاؤها لا يترك قاموساً أو نصاً أو سجلاً لنبشها ومحاولة استعادتها، أي أن مصيرها الاختفاء.
في استراليا، على سبيل المثال، رصد الباحثون ثلاثة أشخاص فقط يتحدثون لغة “ماغاتي كي” عند الحدود الشمالية للبلاد، وشخص واحد يتحدث لغة “امور داغ” التي أعلن وفاتها بعدما قضى، وثلاثة آخرون يتحدثون لغة “ياوورو” في الغرب.
وتعرفوا على شخص وحيد يتحدث لغة “سيليتز دي ني” التي كان يستخدمها السكان الاصليون المقيمون في محمية سيلتز في ولاية أوريغون الأمريكية.
وقد أثبتت الدراسات أن ثمة خمس مناطق تختفي فيها اللغات بسرعة، هي شمال أستراليا 153 لغة، أمريكا الوسطي والجنوبية 113 لغة، في كل من الإكوادور وكولومبيا والبرازيل وبوليفيا. وفي شمال المحيط الهادي 54 لغة بما فيها كولومبيا البريطانية في كندا. وفي شرق سيبيريا والصين واليابان 23 لغة. وفي جنوب غربي الولايات المتحدة، تقطن مجموعات من السكان الأصليين يتحدثون لغات كثيرة تصل إلى 383 لغة، عددها يتضاءل باستمرار.
وبحسب الاحصائيات الاخيرة فأن بعض اللغات قد تنقرض حالاّ خلال أيام. فعلى سبيل المثال، لغة (تاوشيرو TAUSHIRO)، للسكان الأصليين في بيرو لم يبقَ ينطق بها سوى شخص واحد. وكذلك لغة (كايخانا، KAIXANA)، وهي لغة إحدى قبائل الأمازون في البرازيل. ستنقرض هي الأخرى برحيل الشخصين الوحيدين اللذين يتحدثان بها.
ويستمر موت اللغات في كل الاصقاع: كانت لغة (ليميريغ (LEMERIG، منتشرة في جزيرة فانواتو بالجزء الجنوبي للمحيط الهادي ولغة (تانيما (TANEMA، في جزر سليمان بالمحيط الهادي، ولغة (انجيريب NJEREP)، وهي لغة البانتويد في نيجيريا، وينطق بكل منها أربعة أشخاص من كبار السن. ولغة (ليكي LIKI)، يتحدثها خمسة أشخاص في إحدى جزر إندونيسيا. ولغة (أونغوتا ONGOTA،) يتحدثها ستة أشخاص من قبيلة تعيش بقرية صغيرة على الضفة الغربية لنهر ويتو في إثيوبيا. ولغة (دومي DUMI)، يتحدثها 8 أشخاص في إحدى المناطق الجبلية النائية بمنطقة خوتانغ في نيبال.
ثمة من يظن أن تسليط الضوء على المكوّنات اللغوية غير العربية التي اندثرت أو ما زالت متداولة في الوطن العربي، يُعَد تهديداً للهوية العربية، في حين أن التنوع اللغوي والثقافي، في الحقيقة، هو مصدر ثراء معرفي وغنى جمالي. وقد رأينا أن بعض الدول والمجتمعات التي تحتضن تعددية ثقافية بقيت متماسكة وقوية وتلك التعددية عززت في السكان الشعور بالأمان والانتماء والاستقرار.
هناك ما يصل إلى 420 مليون شخص حول العالم يتحدثون اللغة العربية. وهي اليوم من أهم خمس لغات في الكوكب، لكن ما يجب أن يشار له اليوم هو شقيقات اللغة العربية في النسب والمكان.
أن اللغات القديمة للجزيرة العربية تساعد على معرفة الماضي وفهم الحاضر والاستفادة منها في المستقبل. ومن المهم إعادة إحيائها من خلال تعلمها وفهم أبعادها الإنسانية. وكما نعرف، فإن الجزيرة العربية كانت مهداً لكثير من الحضارات العريقة التي توالت عبر العصور. وليس هناك نظام كتابي لأغلبّ هذه اللغات؛ فهي في الأغلب لغات شفهية لها لهجات متعددة تحمل سماتٍ صوتيةً ونحويةً وصرفيةً ودلاليةً مختلفةً قليلاً بعضها عن بعض. وتختلف هذه اللغات حالياً عن العربية الفصحى في كثير من الجوانب، لكنها تشترك معها في الأصل؛ فجميعها لغات سامية تنتمي إلى العائلة الأفروآسيوية.
وتبقى المَهَرية أكثر هذه اللغات حظاً بالنسبة إلى عدد متحدثيها يصل اليوم عدد متحدثيها الى 300 الف، وإن ظلّت تُعدّ من اللغات المهددة بالانقراض. وهي منتشرة بين قبائل في شرق اليمن، وعُمان، والكويت، والإمارات، والسعودية، وتحديداً في خرخير بالربع الخالي ومناطق متفرقة من شرورة ونجران والمنطقة الشرقية. ويعتقد بعض اللغويين أنها متطورة أو منبثقة من اللغات العربية الجنوبية القديمة أو لغة عاد.
وهناك أيضا اللغة الشحرية أو الجبالية ويتحدث بها حوالي 150 نسمة. وهي تعتبر لغة رسمية في اقليم ظفار، إلاّ أنها غير مكتوبة ولم تدخل الاعلام ولا التعليم. ويتحدّث باللغة البطحرية سكان منطقة ساحلية صغيرة بشرق ظفار، ولا يزيد عدد المتحدثين بها عن 100 متحدث. فالبطحرية لم يعُدْ يتحدث بها الأصغر سنّاً، وهي من اللغات المهددة بالإنقراض لأن الناطقين بهذه اللغة يتحولون مع مرور الوقت إلى الناطقين باللغات المحيطة بهم كـ – المهرية والجبالية. أما اللغة الحرسوسية وهي لغة قريبة جداً من المهرية، فهي تستخدم في جدة الحراسيس في مقاطعة ظفار وسط عُمان، وقد لا يتعدى عدد متحدثيها الألفين تقريباً. ولا بد أن نذكر هنا أن المهرية أثّرت في هذه اللغات المتقهقرة، وباتت الأجيال الجديدة من هذه القبائل تتحدث المهرية. وأحياناً يظهر أهل هذه اللغة في احصاءات اللغة المهرية. أما اللغة الهبيوتية فلا يصل عدد المتحدثين بها الى 1000 نسمة وينتشرون عند الحدود اليمنية العمانية.
يهتم الباحثون وعلماء بالحفاظ على تنوع العالم البيولوجي، ويشددون على إيلاء اهتمام أكبر بالحفاظ على اللغات المهددة بالانقراض، خاصة أن أحدث تقارير اليونيسكو أشارت إلى أن نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم والبالغ عددها 7 آلاف لغة، بات مهدداً بالانقراض. ويُرجَح اختفاؤها خلال القرن الحالي. ويتحدث 80% من سكان العالم 83 لغة، و20% فقط يتبادلون لغات نادرة يصل عددها إلى 3500 لغة. والمثير الذي حذر منه التقرير أن لغة واحدة تختفي كل أسبوعين تقريباً بعد خروجها من نطاق الاستخدام.
فى 21 فبراير من كل عام يحتفل عدد كبير من دول العالم بما يعرف بِ “اليوم العالمى للغة الأم”، وهوَ الاحتفال السَنوى فى جَميع أنحاء العالم لِتعزيز الوَعى بالتَنوع اللغوى وَالثقافى وَتعدد اللُغات. وقد أُعلنت المناسبة في هذا التاريخ للمرة الأولى من قبل منظمة اليونسكو فى 17 نوفمبر 1999م. ومن ثُمَ تم إقرارها رسمياً من قبل الجَمعية العامة للأُمم المُتحدة، وقد تَقرر إنشاء سَنة دَولية للغات فى 2008م.
إن نهاية كل لغة مرتبط ببقاء أخر انسان يتحدث بها، وتفنى معها حضارة، ولعلّ دول مجلس التعاون الخليجي تسعى جاهدة إلى المحافظة على التنوع الثقافي المتبقي وتحول دون خرابه قبل أن يطويه النسيان الى الأبد.