2026-3-10 مقال شخصي- منصة X
في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) 2026، فتحت واشنطن وتل أبيب فصلاً جديداً في الشرق الأوسط عبر عملية “الغضب الملحمي” أو “زئير الأسد”. قرابة 900 غارة جوية استهدفت منظومات الدفاع، والبنية النووية، والقيادات الإيرانية العليا، لتُسفر ضربتها الافتتاحية عن اغتيال المرشد علي خامنئي؛ ما أعلن بدء حدادٍ وطني لأربعين يوماً، وتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية إلى مسار تصعيدي شامل لا يمكن فهمه بالاكتفاء بالتحليل العسكري البحت، بل بتفكيك أبعاده المتشابكة. يكمن الجانب الأكثر خطورة في هذه المواجهة في البعد العقائدي؛ إذ يتجاوز الصراع حدود الجغرافيا السياسية ليتحول إلى “حرب مقدسة”. ففي الجانب الإسرائيلي، تجلى توظيف الرمزية الدينية في تزامن الهجوم مع ليلة “عيد المساخر” (البوريم) الذي يُحيي ذكرى خلاص اليهود من مؤامرة “هامان” الفارسي، فضلاً عن إطلاق اسم “سفر التكوين” على أسراب الطائرات المنفذة، في مسعى لتجاوز الروادع القانونية والأخلاقية.
يستند النظام الإيراني إلى “ولاية الفقيه” التي تُضفي على المرشد سلطةً مطلقة، جاعلةً الصراع مع واشنطن وتل أبيب “جهاداً دينياً”. ولذلك، شكّل اغتيال خامنئي زلزالاً اختبر شرعية النظام الروحية. ورغم التوقعات بانهياره، أظهرت المؤسسة الدينية تماسكاً ملحوظاً بإعلان “مجلس خبراء القيادة” السريع عن اختيار مرشد جديد. هذه الخطوة لم تكن مجرد سدٍّ لفراغ السلطة، بل رسالة تحدٍّ استراتيجية تعكس انتقال مركز الثقل نحو تيار أكثر تشدداً ينبثق من رحم “الحرس الثوري”، مستعدٍ لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد، ومُتجاهلاً التهديدات الإسرائيلية بملاحقة أي خليفة يخلف خامنئي.
على المستوى الاستراتيجي، تختلف حرب 2026 جوهرياً عن “حرب الظل” التي أدارتها طهران لعقود عبر “محور المقاومة”. فقد أدت الأحداث المتلاحقة بين 2023 و2025 إلى تآكل هذا المحور في غزة ولبنان واليمن والعراق، تاركةً إيران مكشوفة الظهر أمام الآلة العسكرية الأميركية – الإسرائيلية.
ترافق هذا الانكشاف مع تحول جذري في الأهداف المُعلنة؛ فبعد أن كان الهدف تقليم قدرات إيران ضمن “الردع المتبادل”، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب صراحةً رفضه لأي تسوية دون “استسلام غير مشروط”، ملوحاً بنشر قوات برية لمراقبة المنشآت النووية. هذا التصعيد، المدعوم بتوجيه حاملة الطائرات “جورج بوش” للمنطقة، يُنذر بتحول الحملة الخاطفة إلى مستنقع إقليمي واسع. أمام هذا الحصار، اختارت طهران الرد عبر استراتيجية غير متكافئة تقوم على “توزيع الأثمان”، موجهةً ثقلها العسكري نحو دول الخليج العربي. وقد كشفت الهجمات التي تجاوزت 2756 صاروخاً وطائرة مسيّرة عن نمط استراتيجي يُصنف إلى ثلاث فئات:
الأولى (الأكثر تعرضاً): الإمارات (1534 هجوماً)، مع تركيز واضح على الأهداف المدنية والاقتصادية لإرهاق نموذجها التنموي غير النفطي.
الثانية (متوسطة التعرض): الكويت (632 هجوماً)، والبحرين (234 هجوماً)، وقطر (183 هجوماً)، حيث تركزت الضربات جلياً على القواعد العسكرية الأميركية، ما يؤكد أن الوجود العسكري الأجنبي كان المحفز الرئيسي للاستهداف.
الثالثة (منخفضة التعرض): السعودية وعُمان؛ إذ ساهم غياب القواعد الأميركية وقوة الردع في تحصين الرياض، بينما حمت الحيادية الدبلوماسية مسقط.
هذا التصعيد دفع جامعة الدول العربية لإدانة استهداف المنشآت الحيوية، بينما امتدت تداعياته للاقتصاد العالمي. فقد أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى قفزة تاريخية في أسعار الطاقة، مسجلاً 92.69 دولار لخام برنت بزيادة 27 في المائة أسبوعياً. ومع توقف دول منتجة عن التصدير، حذرت مؤسسات كـ”غولدمان ساكس” من تجاوز النفط حاجز المائة دولار، ما يضع العالم على شفا أزمة تضخمية.
من منظور القانون الدولي، تُثير العمليات العسكرية إشكاليات خطيرة تتجاوز انتهاك الحصانة السيادية إلى اتهامات بارتكاب جرائم حرب. أبرزها قصف مدرسة “شجرة طيبة” للبنات في ميناب الإيرانية، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 165 طالبة وموظفة؛ ما دفع منظمات كـ”هيومن رايتس ووتش” للمطالبة بتحقيقات عاجلة وسط ترجيحات بمسؤولية القوات الأميركية.
داخلياً، تواجه الأطراف الثلاثة تحديات بنيوية؛ فواشنطن تعاني انقساماً داخلياً ورفضاً لـ”الحروب الأبدية”، وإسرائيل تواجه إرهاقاً مجتمعياً ومخاوف من التحول لـ”ثكنة عسكرية” دائمة.
أما إيران، فرغم تماسكها الشكلي باختيار مرشد جديد، لا تزال ترزح تحت أزمة اقتصادية خانقة وتحديات شرعية. ورغم ذلك، تُشير تقارير استخباراتية إلى أن الحملة العسكرية من غير المرجح أن تُسقط النظام، ما يطرح تساؤلات حول جدوى استراتيجية “الاستسلام غير المشروط”.
تقف المنطقة اليوم على شفا تحول جيوستراتيجي مفتوح على سيناريوهات تتراوح بين صعود قيادة إيرانية متشددة تعتمد على شرعية المرشد الجديد وحراب “الحرس الثوري”، أو حدوث انتقال سياسي مضطرب، أو الانزلاق نحو فوضى شاملة. في ظل تصاعد الخطاب التوسعي الإسرائيلي، والتشابك المعقد بين العقائدي والسياسي، يكمن الخطر الأكبر في التأطير الديني الذي يجعل من كل تسوية ممكنة خيانةً للرب والتاريخ. إن دول المنطقة مدعوة اليوم إلى بلورة منظومة أمنية إقليمية مستقلة تقوم على توازن المصالح واحترام السيادة، بعيداً عن الارتهان الكامل للمظلات الخارجية التي أثبتت الأحداث أن حساباتها قد تتعارض غالباً مع متطلبات الاستقرار الإقليمي الدائم.