إيران ورقصة الموت على حافة الهاوية

2026-3-21 - صحيفة اندبندنت independent

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط في مارس 2026، تتكشف أمام أنظار العالم فصول دراما دموية تُكتب بالحديد والنار، حيث تقف إيران في مواجهة آلة حرب أمريكية-إسرائيلية مدمرة. لم تعد المعركة مقتصرة على تبادل الضربات الصاروخية، بل تحولت إلى عملية “شلل منهجي” تستهدف بنية النظام من جذوره عبر حملة جوية أُطلق عليها اسم “الغضب الملحمي”.

من خلال عدسة علم النفس السياسي والحربي، وتأمل مسارات أنظمة شمولية سابقة، يمكننا قراءة المشهد الإيراني الحالي كفصل أخير في مسرحية عبثية، حيث يتخبط النظام نحو نهاية مظلمة، فتشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى اعتماد الولايات المتحدة وإسرائيل استراتيجية عسكرية دقيقة تستند إلى نظرية العقيد الأمريكي جون واردن المعروفة بـ”الدوائر الخمس، والتي تهدف إلى شل حركة الدولة المعادية بالكامل عبر استهداف: القيادة، الأنظمة الحيوية، البنية التحتية، السكان، والقوات المسلحة، وقد أعلن البنتاغون عن استهداف أكثر من 7000 موقع داخل إيران في إطار هذه الاستراتيجية .

بدأت الحملة بضربة قاصمة تمثلت في سياسة “قطع الرأس”، فقُتل المرشد علي خامنئي في ضربة جوية يوم 28 فبراير الماضي، تلاه اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني، ووزير الاستخبارات إسماعيل الخطيب في منتصف مارس.  ويُعتبر اغتيال القيادات العليا ضربة سيكولوجية قاصمة تهدف إلى خلق فراغ في السلطة، وإرباك سلسلة القيادة والسيطرة، وبث الرعب والشك في صفوف القيادات الوسيطة والقاعدة العسكرية.

تجلت حالة التخبط القيادي في تنصيب مجتبى خامنئي (نجل المرشد الراحل) مرشداً جديداً في ظل تكتم شديد. فمجتبى أُصيب في نفس الضربة التي قتلت والده، وسط تقارير متضاربة تتراوح بين إصابته بجروح بالغة ودخوله في غيبوبة. هذا الغياب القسري لقمة الهرم يضاعف من حالة الشلل الاستراتيجي.

لم تتوقف الضربات عند القيادة، بل امتدت لتشمل تدمير البنية التحتية العسكرية والاقتصادية بشكل ممنهج، حيث طالت حقل بارس الجنوبي الذي يوفر 80% من إمدادات الغاز المحلي، ومركز بيانات بنك “سپه” المسؤول عن دفع رواتب القوات المسلحة، ومصانع المسيرات والصواريخ، مما أدى إلى تراجع وتيرة إطلاق الصواريخ بأكثر من 90%، وتحييد القوة البحرية بتدمير أكثر من 100 قطعة بحرية.

في ظل هذا الضغط العسكري والنفسي الهائل، يُظهر النظام الإيراني سلوكاً يُعرف في التحليل السياسي وعلم النفس بـ”سلوك الفاعل المحاصر” أو ما يُوصف مجازاً بـ”القوة الجريحة”. يتميز هذا السلوك بالعدوانية المفرطة وفقدان العقلانية في اتخاذ القرار، واللجوء إلى تكتيكات يائسة لفرض أثمان باهظة على الخصم، حتى لو كان ذلك على حساب تدمير الذات .

تتجلى هذه الحالة بوضوح في استهداف إيران لمنشآت الطاقة في دول الخليج المجاورة في محاولة بائسة لخلط الأوراق وتوسيع دائرة الصراع . إنها سياسة “حافة الهاوية” التي تعكس حالة من البارانويا المزمنة، حيث يرى النظام أن بقاءه مرتبط بإشعال المنطقة بأسرها، وأن الغرق الجماعي أفضل من الغرق المنفرد.

المراقب للتجارب المشابهة للأنظمة الثيوقراطية والشمولية التي واجهت ضغطاً خارجياً وداخلياً يشير إلى سيناريو واحد: الانهيار المركب. لا تكتمل قراءة المشهد الإيراني دون استحضار تجارب أنظمة شمولية سابقة انهارت تحت وطأة الضغط. النظام الإيراني اليوم يشبه إلى حد بعيد الاتحاد السوفيتي في أيامه الأخيرة: قيادة عجوز مترهلة، اقتصاد منهك، صراع خفي على الخلافة، وانعدام تام للثقة الشعبية .

غير أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الحالتين؛ فإيران تمتلك شبكة واسعة من الوكلاء الإقليميين. وهؤلاء الوكلاء سيكونون أول الضحايا عندما تسقط طهران. فحزب الله في لبنان الذي يعاني من ضربات موجعة، والحوثيون في اليمن، والميليشيات في العراق وسوريا، ستجد نفسها فجأة بلا تمويل، وبلا غطاء سياسي، وبلا مبرر وجودي، مما ينذر بتفكك سريع لمحور المقاومة بأكمله .

بعيداً عن المعارك الميدانية، ثمة مؤشرات نفسية واجتماعية بالغة الخطورة تكشف عن تصدع الجبهة الداخلية الإيرانية. فقد رصدت التقارير الاستخباراتية تصاعداً ملحوظاً في حالات طلب اللجوء من الدبلوماسيين الإيرانيين. كما تشير التقارير إلى لجوء قوات الأمن والميليشيات للنوم في المساجد والمرافق الرياضية هرباً من الاستهداف، وهذا مؤشر حاسم على انهيار الروح المعنوية

التاريخ يعلمنا أن صمود القيادة يختلف جذرياً عن صمود الدولة. قد يصمد النظام لأسابيع في خنادقه المحصنة، لكن إيران ككيان تتفكك بنيوياً. أمام هذا الواقع، يراهن النظام الإيراني على مسارين يائسين: الأول استنزاف الخصم عبر رفع أسعار الطاقة وضرب مصالح الخليج. والثاني التعويل على اصطفاف شعبي ووحدة وطنية بفعل العدوان الخارجي.

الرهانان أثبتا فشلهما الاستراتيجي. فاقتصادات الخليج أظهرت مرونة عالية، والدول الغربية تمتلك مخزونات استراتيجية هائلة من النفط قادرة على امتصاص الصدمة. أما رهان الوحدة الوطنية فهو محض وهم؛ فالشعب الإيراني الذي خرج في احتجاجات يناير الأخيرة، وقبلها في انتفاضات متتالية، لم ولن ينسى قمع الباسيج الدموي، ولا يرى في هذه الحرب سوى فرصة تاريخية للخلاص من نظام صادر حريته ومستقبله لعقود.

لقد أثبتت الأسابيع القليلة الماضية هشاشة الآلة العسكرية الإيرانية وسقطت أسطورة “الردع” التي طالما تغنى بها النظام، وباتت طهران تواجه مصيراً مظلماً. إن التخبط الذي تعيشه القيادة الإيرانية اليوم، في ظل غياب مرشدها الجديد وتهاوي قادتها التاريخيين، ليس سوى رقصة الموت الأخيرة لنظام استنفد كل أوراقه، وفقد شرعيته داخلياً وخارجياً.

النظام الإيراني يقف اليوم أمام معادلة مستحيلة: الاستمرار في المقاومة يعني مزيداً من التدمير والانهيار الحتمي، والاستسلام يعني نهاية الجمهورية الإسلامية. وبين هذين الخيارين المرين، يتخبط النظام في دوامة من القرارات اليائسة التي تُسرع من وتيرة انهياره، تاركاً الشعب الإيراني في انتظار فجر جديد قد يولد من رحم الدمار.