رياض السنباطي

2025-9-11

قصيدة موسيقية للروح العربية (في ذكرى رحيل رياض السنباطي)

قبل أن يكون عبقرياً كان رياض عاشقًا لجذور الموسيقى الشرقية الأصيلة. كان يهرب من صفوف الدرس في المرحلة الابتدائية ليقف أمام دكان النجار العواد مشدوهاً بطريقته في العزف.

فما كان من أبيه إلا أن يكمل تعليم أبنه في المنزل، من حينها أصبحت المقامات مواده للمعرفة والعود اداته للتعبير، أصبح يستخدم مقام البيات ليعبر عن الحزن الوجودي، والحجاز ليوحي بالشوق المبرح، والراست ليرسم لوحات من الوقار الصوفي. مثلاً في (رباعيات الخيام)، نسج من مقام الراست عوالم موسيقية تعكس عمق النص الفلسفي – فعل المستحيل بالموسيقى-، مع انتقالات بارعة بين المقامات، كأنه يرسم بألوان مختلفة على لوحة واحدة.

كان يغوص في أعماق النص الشعري، يستخرج دلالاته الخفية، ثم يبدأ في نحت اللحن من خلال مقام موسيقي يلامس جوهر الحالة.

ألحانه تبدأ بمقدمات طويلة تمهد للمشهد العاطفي، وتصعد تدريجيًا نحو الذروة. كان يبني اللحن كالمهندس المعماري الذي يضع تصوراته ومقاساته بدقة؛ مقدمة تستقطر الأذن، جمل لحنية متصاعدة تبلغ ذروتها في المنتصف، ثم خاتمة تترك أثرًا وجدانيًا لا يمحى.

في أغنية مثل (الأطلال)، يمكنك أن تسمع هذا البناء. لم تكن الآلات في عالم السنباطي مجرد خلفية، بل كانت شخصيات تحاور المغني وتكمل مشاعره. فالعود كان القلب النابض, والقانون كان العقل المتأمل، والكمان كان العاطفة الجياشة، والناي نداء العاشق.

كان يوازن بين صوت الآلات وصوت المغني، ليكون التوزيع الموسيقي نسيجًا وجدانيًا متماسكًا.

صمم السنباطي ألحانه ليكون المغني بطلًا في هذه الدنيا الوجدانية. مع أم كلثوم، كان يصيغ اللحن ليناسب مداها الصوتي الفريد، مع إتاحة مساحات للتطريب والارتجال، مما سمح لها أن تظهر براعتها. في (أروح لمين)، قدم لها لحنًا يتحرك بين الطبقات الصوتية بسلاسة، ليعكس التشتت الوجداني في كلمات الأغنية. كان لحنه الوعاء الشعوري الذي أظهر قدراتها الصوتية الخارقة.

لم يكن السنباطي مجرد ملحن، بل كان جسرًا وجدانيًا بين عبقرية التراث والذائقة المعاصرة. استطاع أن يحول القصائد العالية لأمثال أحمد شوقي وإبراهيم ناجي إلى تجارب صوتية تصل إلى قلوب العامة دون أن تفقد عمقها الأدبي.

رباعيات الخيام وسلوا قلبي لم تعد قصائد مكتوبة، بل أصبحت صور سماعية وذكرى حية.

ساهم السنباطي في تشكيل الهوية الموسيقية العربية خلال فترة النهضة الفنية، حيث أصبحت ألحانه جزءًا من الذاكرة الجمعية للأمة. ترك إرثًا حضاريًا عميقًا في الموسيقى العربية. حصوله على جائزة اليونسكو عام 1977 لم يكن تكريمًا له فقط، بل اعترافًا بقيمة الموسيقى العربية كتراث إنساني عالمي.

كانت عبقرية السنباطي تكمن في كونه صانع لحظات وجدانية؛ لحظة صمت توحي، ولحظة نغمة تثير، ولحظة ذروة تبهر. كان يفكر بالموسيقى كلغة عالمية للمشاعر، وكل لحن من ألحانه كان رسالة إنسانية يوجهها إلى القلب قبل الأذن.

لم يكن رياض السنباطي مجرد ملحن، بل كان فيلسوفًا روحانياً استطاع أن يصيغ ألحانًا تعبر عن روح الشعب العربي وتاريخه. عبقريته تكمن في ابتكار فكرة اللحن وتحويله إلى صورة ذهنية ثاقبة وحالة روحية تروي الأعماق، التزامه بالمقامات الشرقية، والبناء الدرامي المحكم للألحان، والتوزيع الأوركسترالي المتقن. صنع منه المدرسة التي لاتُتكرر.

ألحانه، مثل القلب يعشق ليست مجرد أغانٍ، بل تجارب فنية تحمل المستمع إلى عوالم من التأمل الوجودي والعاطفة، أتاح لنا رياض فرصًا نادرة لتفَحُص أرواحنا. إرثه الخالد سيظل يشهد أن العبقرية الحقيقية هي التي تصنع من الفن حياة أبدية تمثل الأنسان وتتجاوز الزمان والمكان.