سعود الكبير ونابليون: عندما تنافست ثلاث إمبراطوريات على الجزيرة

2026-2-20

1727م ليس مجرد ذكرى، إنه نقطة تحول في مسار الجزيرة، عام التكوين الذي تولى فيه الإمام محمد بن سعود مقاليد الحكم في الدرعية، ليبدأ فصلاً جديداً وحكماً رشيداً في الجزيرة العربية. ودرس الإرادة في تحول الحلم النبيل إلى وطن جميل. فاليوم، ونحن نحيي بفخر يوم التأسيس، لا نتأمل مولداً عادياً، بل نسترجع ولادة ظاهرة تاريخية أدركتها عيون القادة والاستراتيجيين في ذلك الزمن، قبل أن يدركها المؤرخون.

 

في العقد الأول من القرن التاسع عشر، كانت أوروبا مسرحاً لصراعٍ وجودي بين عملاقين. من ناحية، يقف النسر نابليون بونابرت، عبقري الحرب الذي حوّل خريطة القارة إلى لوحةٍ يعيد رسمها بفرشاة الحديد وألوان النار، حاملاً في مخيلته حلماً شرقياً لا يقل طموحاً عن الإسكندر المقدوني. وفي المقابل، تقف بريطانيا العظمى، سيدة البحار التي لا تغيب عنها الشمس، والتي جعلت من أسطولها درعاً ومن تجارتها سلاحاً. كانت حروبهم الضارية، من سهول أوسترليتز إلى حقول واترلو، هي الأخبار التي تهز عروش العالم وتعيد رسم تحالفاته.

 

وتحت هذه الرعود الأوروبية، وفي أرضٍ قاسيةٍ كان يُظن أنها على هامش الجغرافيا والتاريخ، كانت الدرعية تنسج مصيرها بعمق وثبات. لم تخض معمعة الصراع الأوروبي، كانت في اتزان الواثقين، تُشيِّد من قَسوة الصحراء صلابة الحضور، ومن عُزلة المكان مركزَاً للثَّقل. لم تكن الدرعية هامشاً ينتظر الالتفات، بل كانت محوراً يُعيد رسم الخارطة. تساءل صناع القرار والجواسيس على حدٍ سواء: مَنْ هؤلاء الذين وحدوا قبائل العرب المتناحرة والاقاليم المتناثرة، وسيطروا على مفاتيح التجارة العالمية: طريق البخور، ودرر الخليج، وممرات البحر الأحمر، تلك الشرايين التي تنقل ثروات الهند وتوابل الشرق إلى أسواق أوروبا؟

 

كانت الدولة السعودية الأولى ظاهرة تتخطى حدود السياسة إلى مشروع نهضة شامل. من ضفاف الفرات حيث تهمس الحضارات القديمة، إلى مرتفعات الحكمة اليمانية، ومن لؤلؤ الخليج العربي إلى مرجان البحر الأحمر، امتدَّ سلطانٌ جديد يوطد الأمن ويحمي الحاج والتاجر. كان هذا الكيان، في عيون الإستراتيجيين العسكريين والجغرافيين، قلب العالم القديم النابض من جديد. من يمسك بمفاتيحه يتحكم في الشريان الرئيسي للحضارة والتجارة. لذا، تحولت الدرعية من عاصمة محلية إلى محط أنظار ثلاث إمبراطوريات عظمى، في سباقٍ دبلوماسي نادر واستخباراتي مختلف.

 

من بين أروقة قصر التويلري في باريس، حيث كان قاهر اوروبا يحلم بضرب بريطانيا في مقتل بالهند، انطلقت التعليمات السرية. فالوثائق المحفوظة في الأرشيف الوطني الفرنسي، وتحديداً تعليمات نابليون إلى القنصل جان   فرانسوا دي كورانسيز في حلب بتاريخ 28 سبتمبر 1803م، كانت واضحة وموجَّهة: دراسة إمكانية التحالف مع السعوديين وإرسال عملاء سريين لتقييم قوتهم. وتُرجم هذا الطموح في خريطة الدبلوماسي والمستشرق جوزيف روسو عام 1810م، وهي أول خريطة أوروبية مفصَّلة للدرعية، رسمها بناءً على معلومات التجار، واصفاً تحصيناتها ومقدِّراً جيشها بعشرات الآلاف. ويُضاف إلى ذلك مهمة علي بك العباسي، المغامر الإسباني الذي زار الحجاز عام 1807م كجاسوس فرنسي، ليرسل تقارير عن الوضع بعد السيطرة السعودية.

كان طموح باريس الثائرة، والذي بقي في مرحلة التخطيط، هو استكشاف إمكانية الحصول على دعم سعودي لإغلاق البحر الأحمر في وجه السفن البريطانية، لقطع شريان الحياة عن الإمبراطورية المنافسة.

 

هناك، وخصوصاً في مقر شركة الهند الشرقية البريطانية في جوهرة التاج بومباي، كان القلق سيد الموقف. لم يكن الخوف من تحالف فرنسي   سعودي هو المحرك الرئيسي، بل كان التهديد المباشر الذي شكلته قوة الدولة السعودية وحلفائها القواسم على طرق التجارة البريطانية الحيوية في الخليج. تحركت العين الدبلوماسية والأذن الاستخباراتية لسيدة المستعمرات ببرود وحذر مدروس. ويشهد على ذلك تقارير المقيم البريطاني في بوشهر الذي كان يرسل تحليلات منتظمة عن توسع النفوذ السعودي الساحلي وتأثيره على الأمن البحري. أما السياسة المتبعة، فكانت انتظاراً متأهباً أكثر من كونه مجرد احتواء. فضَّل الملك جورج الثالث دعم الحلفاء الإقليميين مثل إمارات الساحل العماني، ومراقبة الموقف عن كثب.

 

أما في إسطنبول، فكانت الصدمة أعمق بكثير؛ إنها صدمة الجوهر والمظهر معاً. ففقدان السيطرة على الحرمين الشريفين مكة والمدينة لم تكن مجرد خسارة إقليمية، بل كان ضربة قاضية للشرعية الدينية والسياسية للسلطان، والذي لُقب بـ “خادم الحرمين” مصدر قوته الرمزية. الأرشيف العثماني يظهر حالة من الذهول والغضب. بعد فشل ولاة بغداد والشام في القضاء على الدولة الفتية، ولمشغولية الجيش العثماني في حروب البلقان، وُجِّهت الدعوة الأخيرة إلى محمد علي باشا، والي مصر. كانت الصفقة التاريخية أن يتولى هو القضاء على الدولة السعودية بجيشه الحديث، مع وعود محتملة بمكافأته بولاية الشام، وهو ما لم يتحقق فوراً. وهكذا، تحول اهتمام الباب العالي من الدبلوماسية إلى الحل العسكري الشامل.

 

وفي خضم هذه العاصفة الدولية، حيث تتصارع الإمبراطوريات وتتلاقح الوعود والتهديدات، برزت العبقرية السياسية للإمام سعود الكبير. لم يكن رفضه – أو تجاهله العملي – للعروض الأجنبية ناتجاً عن جهل بالقوة أو غرورٍ بها، بل كان تعبيراً صارخاً عن فلسفة دولة ناشئة تؤمن باستقلال إرادتها فوق كل شيء.

 

لقد قرأ المشهد ببصيرة ثاقبة. فالتحالف مع فرنسا الجامحة كان سيجعله عدواً مباشراً للتاج البريطاني، القوة البحرية التي لا تُقهَر، وللعثمانيين، الجار القريب والعدو المعلن، في حرب على جبهتين لا طاقة له بها. والتحالف مع بريطانيا الطاغية سيدخله في متاهة الاستعمار الطويلة، ويجعله أداةً في يد قوةٍ لا تعرف إلا مصلحتها، ويُغضب إمبراطورية المدافع وحلفاءها المحليين.

 

والطريق الثالث – الحياد الإيجابي والتركيز على البناء الداخلي – كان الخيار الأصعب والأكثر حكمة. كان يعني الاعتماد على الذات، وترسيخ الوحدة، ومواجهة تحدي الآستانة المباشر بقوةٍ نابعةٍ من الداخل. رفضٌ أن يكون ظلاً لمشروعهم، واختار أن يشعل أنوار مشروعه الحضاري.

 

في عام 1818م خبت نيران المعارك، لكن شعلة الدولة السعودية لم تَخْبُ. لقد أثبتت تلك الحقبة أن المشروع لم يكن طارئاً، بل كان مبنياً على رؤية عميقة الجذور: الاستقلال الكامل، والسيادة غير القابلة للمساومة، والاعتماد على مقومات الوطن الذاتية.

 

واليوم وكل يوم نستحضر يوم التأسيس، لا للنظر إلى الماضي بعين الحنين، بل نستلهم منه منهجاً للحاضر والمستقبل. فسياسة الحياد الإيجابي الحكيمة إزاء تعقيدات المنطقة، والمبادرة التاريخية لـ رؤية 2030 التي تعيد بناء الاقتصاد والمجتمع، هما امتداد لتلك الروح نفسها: روح أن نكون سادة قرارنا، وأن نصنع قوتنا بأيدينا، وأن ندخل العالم كندٍّ قوي وحكيم، لا كتابعٍ مستهلك.

 

إن قصة الدرعية مع الإمبراطوريات تذكرنا، بأن أعظم القرارات هي تلك التي تنضج من روح الحكمة ووضوح الرؤية. وأن الدولة التي تعرف من تكون، وتعرف ما تريد، تستطيع -وحدها- أن تكتب فصول مجدها في سجل التاريخ الخالد. وهذا هو الإرث الذي نحمله من ماضٍ عريق، ونؤسس عليه حاضراً زاخراً ومستقبلاً زاهراً، بإذن الله.

 

رابط المقال