فن المسافة

2026-1-11

علاقتنا مع ذواتنا والآخرين تتطلب نوعًا من التوازن من حيث الاقتراب والابتعاد. يقول زكي نجيب محمود في «الكوميديا الأرضية»: «الاقتراب من الناس ممارسة تستدعي ما فعلته تلك القنافذ الباحثة عن الدفء، يقتربون من بعضهم البعض فتؤلمهم أشواكهم، يتباعدون فيؤلمهم البرد، يتقاربون مرة أخرى فيتألمون حتى أدركوا أن الحل هو التقارب المدروس الذي يضمن أعلى قدر من الدفء مع أقل قدر من الألم». الاستعارة ليست مجرد صورة بلاغية بل تشخيص دقيق لمعضلة وجودية حقيقية، فالقنفذ يحمل الحاجة والخطر في جسد واحد، تمامًا كما نحمل نحن الرغبة في القرب والقدرة على الأذى في ذات واحدة. المسافة هنا ليست معطى جغرافيًا بل توتر نفسي مستمر بين الانفتاح والحماية، بين الكشف والحجب.

 

لكن المعضلة تتعمق حين ندرك أن المسافة ليست مجرد مسألة قرب أو بعد فيزيائي. يقول مونتين: «الوحدة الأكثر عمقًا ليست أن تكون وحيدًا، بل أن تكون مع نفسك سيء الرفقة، أو أن تكون وسط حشد من الناس دون صلة حقيقية بأحد». مونتين هنا يكشف أن العزلة الحقيقية تحدث في بعدين متوازيين، يمكن أن نكون محاطين بالناس لكن منفصلين عنهم تمامًا، ويمكن أن نكون وحدنا لكن غرباء عن ذواتنا. التوتر إذن ليس بين الوحدة والصحبة بل بين نوعين من الانفصال، انفصال عن الآخرين وانفصال عن النفس، وكلاهما يحمل ألمه الخاص. الذات ليست ملاذًا آمنًا من أشواك الآخرين بل هي ميدان آخر للتوتر ذاته، حيث المسافة من النفس تحدد قدرتنا على العيش مع ما نعرفه عن أنفسنا دون أن ننهار تحت ثقله.

 

ما يجعل استعارة القنافذ أكثر من مجرد دعوة للاعتدال هو أن التوازن المطلوب ليس حالة ثابتة بل عملية مستمرة من التعديل والمراجعة. التقارب المدروس الذي يتحدث عنه زكي نجيب محمود ليس صيغة رياضية نحسبها مرة واحدة ثم نطبقها، بل هو ممارسة يومية تتطلب وعيًا حادًا بحدود الذات وحدود الآخر. هذا الوعي بالحدود يتطلب أولاً قدرة على الرؤية الصادقة. يقول ريلكه: «المسافة الحقيقية بين البشر ليست في المكان بل في عدم القدرة على رؤية بعضهم البعض كما هم فعلاً». القرب الحقيقي يبدأ من رؤية الآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون، ورؤية ذواتنا بنفس القسوة والرحمة. الحل ليس في تجنب الألم بل في معرفة أي ألم نختار: ألم الوحدة أم ألم القرب، ألم المواجهة أم ألم الهروب.