أمريكا أولًا أم أمريكا وحدها؟

2026-1-11 - The Independen

في خطوة مفاجئة وجريئة تليق بطبيعة صانعها، الرئيس دونالد ترمب، الذي طالما اتسم أسلوبه في الحكم بالتحرر من التقاليد الدبلوماسية والاندفاع نحو قرارات صادمة تعكس رؤيته التجارية للعلاقات الدولية، أقدمت الولايات المتحدة على ما يمكن وصفه بـ”إعادة ضبط” جذرية لعلاقتها بالعالم. 

وفي منعطف تاريخي حاسم شهدت الساحة الدولية في 7 يناير 2026 إجراءً سياديًا أميركيا تمثل في الانسحاب من 66 منظمة وهيئة دولية، في خطوة وُصفت بأنها “زلزال سياسي” كتب فصلاً جديدًا في سجل العلاقات بين الدول، لا يمكن لهذا القرار أن يكون حدثًا عابراً في مسيرة السياسة الخارجية، بل هو تجسيد معلن لفلسفة “أميركا أولاً” التي تعيد تشكيل مفهوم السيادة وتعيد حساب أطر التعاون العالمي. 

بموجب مذكرة رئاسية، أوقف ترمب مشاركة وتمويل 35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة و31 كيانًا أمميًا أو مرتبطًا بها. القائمة تمثل طيفًا واسعًا من مجالات التعاون الدولي، شملت هيئات محورية مثل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) والوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية(UNCTAD)، وصندوق الأمم المتحدة للسكان(UNFPA)، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) وصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب وغيرها.  

القرار لم يكن مجرد خطوة لخفض التكاليف، بل هو جزء من رؤية سياسية شاملة. لا يُفهم قرار الانسحاب الكبير هذا من دون النظر إليه كحصيلة تفاعل عدة عوامل كبرى، تتجاوز الخطاب الأميركي الرسمي لتكشف عن رؤية أيديولوجية عميقة. فبينما بررت الإدارة قرارها بأن هذه المنظمات “مكررة في نطاقها، سيئة الإدارة، وغير ضرورية”، يمكن تصنيف الدوافع الحقيقية إلى ثلاثة محاور رئيسية: 

١- الدافع الاقتصادي والمحاسبة المالية: 

حيث تذرعت الإدارة بتكاليف الانتماء الباهظة وعدم تناسبها مع العائد المُتحقق، وهو تبرير يلقى صدى لدى قاعدة الناخبين المهتمين بحفظ أموال دافعي الضرائب.

٢- الدافع السياسي والأيديولوجي: 

المحرك الأعمق، حيث يجسد القرار ترجمة عملية لشعار “أميركا أولاً”. هذه الفلسفة ترفض التعددية التقليدية وتؤمن بفعالية العلاقات الثنائية المباشرة، وتنظر إلى المؤسسات الدولية كقيود على حرية حركة واشنطن، بل كـ”إملاءات فوق وطنية” تتعارض مع الأولويات الأميركية.

٣- الدافع الاستراتيجي وإعادة الهيكلة: 

يُفسر القرار كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة رسم التحالفات الدولية، والانسحاب الانتقائي من هيئات تُرى غير فعالة أو مُسيطراً عليها من قبل منافسين جيوسياسيين، بهدف الاستثمار في تحالفات جديدة أكثر مرونة. 

 

إن هذا الانسحاب الكبير تتويج دراماتيكي لـاستراتيجية الأمن القومي 2025، تلك الوثيقة التي أعلنت بجرأة غير مسبوقة،  نهاية عصر الهيمنة العالمية متعددة الأطراف، ووصفت العقود الماضية من المشاركة غير المشروطة في المنظمات الدولية بأنها:

“تجربة مكلفة أدت إلى إهدار الثروة الوطنية وتقويض السيادة الأمريكية”.  

في ديسمبر 2025، رسم البيت الأبيض على الورق ما كان يُطبّق على أرض الواقع. ورفض الوهم بأن أميركا يمكنها أن تكون شرطي العالم إلى الأبد، ووجه دعوة صريحة للتخلص من أعباء المنظمات التي تُهدر دماء وأموال الأميركيين دون مقابل. 

المنظمات التي انسحبت منها أميركا ليست سوى أولى خطوات هذا المشروع الجريء، مقامرة تاريخية تراهن فيها واشنطن على أن قوتها الذاتية كافية لتجعلها في غنى عن العالم المنظم، بينما يراهن بقية العالم على أن غيابها سيُجبره على إعادة تشكيل النظام الدولي بشكل أكثر توازنًا. 

على الصعيد القانوني فإن هذا الانسحاب يفتح الباب أمام تساؤلات معقدة حول العلاقة بين السلطة السيادية للدولة والتزاماتها بموجب القانون الدولي. فبينما يملك الرئيس الأميركي سلطة واسعة في إدارة السياسة الخارجية، لا يمكن للدول التحلل من التزاماتها بشكل أحادي دون عواقب. 

المادة 54 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 تنص على أن الانسحاب يجب أن يتم وفقاً لأحكام المعاهدة نفسها أو بموافقة جميع الأطراف. وفي هذا المنحى، أكدت الأمم المتحدة أن الدفعات المقررة للميزانيات المعتمدة تمثل “التزاماً قانونياً” بموجب ميثاقها، مما يلمح إلى أن وقف التمويل قد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي. 

هذا الصدام بين الرؤية الأميركية للسيادة المطلقة ومبادئ القانون الدولي يمثل أحد أخطر تداعيات القرار. من المنظور الأميركي، قد يُنظر إلى الانسحاب كفرصة لتوفير الأموال وتوجيه الموارد نحو أولويات داخلية. لكن على المدى الطويل، تبدو السلبيات أكثر خطورة، وتتمثل في تراجع النفوذ الأميركي في صياغة القواعد الدولية، وفقدان منابر “القوة الناعمة”، مما يُضعف المصداقية ويُقلص دائرة الحلفاء، وهو ما حذر منه توماس بوليكي من مجلس العلاقات الخارجية، مشيراً إلى أن الفوائد المالية ضئيلة مقارنة بصعوبة مواجهة التحديات العابرة للحدود دون تعاون. 

على الساحة الدولية يخلق الانسحاب فراغاً هائلاً في القيادة والتمويل، قد تتنافس على ملئه قوى مثل الصين والاتحاد الأوروبي، مما يُعجل بتحول النظام إلى متعدد الأقطاب بشكل أسرع وأكثر اضطراباً. كما أن انسحاب عضو مؤسس ورئيسي يُهدد بفقدان هذه الهيئات لمشروعيتها وفعاليتها، خاصة في مجالات حيوية. فعلى سبيل المثال: 

في مجال الصحة، قد يؤدي وقف تمويل صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى إغلاق عيادات صحة إنجابية في مناطق النزاعات، وحرمان ملايين النساء من وسائل تنظيم الأسرة، وارتفاع معدلات وفيات الأمهات أثناء الولادة. 

وفي مجال المناخ، فإن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقياته الرئيسية يجعلها الدولة الكبرى الوحيدة غير المشاركة، مما يعيق بشكل كارثي الجهود العالمية لمكافحة الاحتباس الحراري. 

وفي مجالات أخرى، فإن إضعاف هيئات مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، يعني حرمان الدول النامية من الخبرات الفنية اللازمة للاندماج في الاقتصاد العالمي، بينما يؤدي تهميش لجنة القانون الدولي إلى إبطاء وتيرة تطوير القانون الدولي في مجالات حيوية كالأمن السيبراني، ويقوض الانسحاب من منظمات الحوار منصات تعزيز التفاهم المتبادل بين الشعوب. 

قرار الانسحاب هو مقامرة تاريخية كبرى. تراهن إدارة ترمب على أن قوة أمريكا الاقتصادية والعسكرية كافية لتجعلها في غنى عن العالم المنظم. الانسحاب من هذا العدد الهائل من المنظمات الدولية ليس مجرد تغيير في السياسة الخارجية، بل هو زلزال يعصف بأسس العمارة الجيوسياسية التي قام عليها العالم منذ عقود. إنه يضعنا عند مفترق طرق بين منطق السيادة المطلقة ومنطق التضامن الضروري لإدارة تعقيدات عالم متشابك المصالح. بينما قد تحقق واشنطن مكاسب قصيرة الأجل في المرونة والمال، فإن الثمن طويل الأمد قد يكون باهظاً (فقدان المقعد على طاولة صياغة المستقبل)

أما العالم، فسيضطر إلى إعادة اختراع أشكال التعاون دون القائد التقليدي، في رحلة محفوفة بالشكوك والمخاطر.  

السؤال المطروح الآن ليس فقط عمن سيملأ الفراغ، بل عن طبيعة النظام الجديد الذي سينشأ بعد انسحاب حجر الزاوية، وهل سيكون أكثر عدلاً واستقراراً، أم مجرد ساحة مفتوحة لصراع الإرادات الكبرى؟