2026-9-13 - مقال شخصي, منصة X
في الثالث عشر من سبتمبر
يقف العالم متأملاً عند فكرة بدت للقدماء ضرورة وجود، وأصبحت للمحدثين ركن حضارة وشرط مجتمع: ((القانون)).
فالقانون، في عمق دلالته، التزام يُوقَد في الضمائر لا سياجاً يُنصَب حول الناس؛ يردّ القوة عن الغلبة، والهوى عن الحكم. منذ أن نظر أرسطو، معلّم الإسكندر وواضع أصول السياسة، إلى طبيعة البشر، أدرك أن القانون حدّ يفصل الإنسان عن انحطاطه، فقال: «الإنسان في أحسن أحواله أشرف الحيوانات، فإذا انفصل عن القانون والعدل صار أسوأها» فالعدل هو ما يُبقي الانسان انساناً. وعلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط، صاغ شيشرون، خطيب روما الذي جعل البلاغة سيفاً للجمهورية، مبدأه الخالد: «سلامة الشعب هي القانون الأعلى» فما نفع الشريعة إن لم تحرس الجماعة؟
ومن بعده جاء مونتسكيو، صاحب روح القوانين، ليُضيّق دائرة الحرية توضيحاً لا خنقاً، فقال: «الحرية هي حق فعل ما تسمح به القوانين» مضيفاً في موضع آخر تحذيراً لا يقل جلالاً: «لا شيء أشد استبداداً من ممارسة السلطة في ظل القوانين، وتحت ستار العدالة» وهو المعنى الذي أكمله جون لوك، فيلسوف العقد الاجتماعي، حين قال إن «غاية القانون حفظ الحرية وتوسيعها، لا منعها أو تقييدها» فالقانون عند هؤلاء نطاق ومنطق للحق، تحرسه الحدود ولا تُذيبه.
أما توماس هوبز، كاتب اللوياثان الذي رأى في الفوضى حرباً أهلية دائمة، فقد اختصر الأمر بجملة واحدة: «القانون هو الضمير العام» وإذا غاب هذا الضمير المشترك، لم يبقَ إلا هوى الأفراد متسيداً. ومن هنا نفهم قول أوغسطينوس، أسقف (هيبو) عنابة الجزائر الذي حوّل الفلسفة إلى لاهوت للعدل: «القانون الظالم لا يرقى أصلاً إلى مرتبة القانون» فالنص إن خان العدل سقط عن صفته.
وفي تاريخنا الاسلامي، اختصر الإمام علي بن أبي طالب، باب مدينة العلم وقاضي الأمة، فلسفة الحكم في ثلاث كلمات: «العدل أساس الملك» ومن قبله فعل باب العدل وأمير الأمة عمر بن الخطاب حين قال، وهو يستشعر مسؤوليته «لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لم تُصلح لها الطريق يا عمر؟» وتبعه الفارابي، المعلم الثاني، مؤكداً أن «المدينة الفاضلة لا تقوم إلا بالعدل، والعدل قوام كل اجتماع إنساني» وجاء ابن خلدون، رائد علم الاجتماع، ليحوّل العدل الى كارما: «العدل إذا دام عمّر، والظلم إذا دام دمّر»
فالدول لا تسقط فجأة، وإنما تتآكل حين يطول الظلم ويُؤجَّل الإنصاف، وتنخر العدالة الغائبة أساس العمران كما ينخر السوس جذع الشجرة من داخله دون أن يبين ذلك على قشرتها. ولأن العدل إن تأخّر فسد. قال ويليام غلادستون، رئيس وزراء بريطانيا في عصر الإصلاح: «العدل المؤجل عدل مرفوض» وهو المعنى الذي سبقه إليه ويليام بلاكستون، شارح القانون الإنجليزي، حين فضّل الخطأ في العفو على الخطأ في الإدانة: «خيرٌ أن يفلت عشرة مذنبين من أن يُدان بريء واحد» فالقضاء إن أخطأ في حق الضعيف خان ميزانه.
ولم يكن الأمريكيون أقل وعياً بخطر التمايز والشخصنة. فقد أعلن جون آدمز، أحد آباء الاستقلال، أن «الحكومة حكومة قوانين لا حكومة رجال». وامتدت هذه الروح عند مارتن لوثر كينغ، الذي استعاد صدى أوغسطينوس قائلاً: «الظلم في أي مكان تهديد للعدل في كل مكان». أما هنري ديفيد ثورو، صاحب العصيان المدني الذي رفض أن يدفع ضريبة حرب رآها ظالمة، فقد قلب الآية: «القانون لن يحرر الناس؛ الناس هم من يجب أن يحرروا القانون»
فالقانون أداة، والضمير سيدها. وعلى النهج ذاته سار نيلسون مانديلا حين قال: «الأمة يُحكم عليها بالطريقة التي تعامل بها الضعفاء، لا بالطريقة التي تعامل بها الأقوياء» غير أن القانون نفسه قد ينقلب فخّاً. حيث حذّر الحكيم الإسكيثي أناكارسس أحد حكماء اليونان السبعة ، وتناقل الأدباء المعنى من بعده، أن «القوانين كشباك العنكبوت: تمسك الذباب الصغير وتترك الزنابير الكبيرة تمر»
وحين تتراكم النصوص وتغيب الغاية، يصدق تحذير ونستون تشرشل، زعيم بريطانيا في أحلك لياليها: «إذا كثرت القوانين ضاع احترام القانون» وفي يوم القانون يجب أن نؤكد، لا تكمن الحاجة في تكديس المواد وتضخيم اللوائح، وإنما في قانون تتجلى فيه ملامح العدل، فبمقدار ما تتقارب الأفعال من النصوص تُقاس الأمم، لا بما تزخر به قوانينها من عبارات، فالقانون صورة المجتمع المكتوبة، والمجتمع مادة القانون الحيّة.