نعرف جميعاً نرجسية نزار، ولكن ان يغني شاباً خجول اكثر قصائد نزار اعتداداً بنفسه، فهنا يجب عليك ان تراقب الشعور أولاً دون أن تهمل رسائل اللحن!
اللحن الواثق رغم دبلوماسيته. والمطرب الذي يحمل على عاتقه رسالة هامة دون ان يتجاهل حرص العاشق وأناقة المتلقي.
عبر عن ذلك أحياناً بعلاج الانفعال المتقلب – ان يصرخ في لحظة الهدنة؛ كأشتعال يضيء ولا يحرق!
ولنا من نزار دوماً عقيدة العاطفة التي نتفقدها ونفتقدها ولنا من كاظم مهام العاشق الذي نخفيه فينا.
حين نعيد نرتيب الاهمية في خارطة الغناء العربي سنجد الكثيرين ممن كان لهم حضور واضح ومهم، ولكن ليس كأم كلثوم وفيروز ومحمد عبده وكاظم الساهر فهؤلاء حولوا تراب الأغاني الى ذهب، وحاكوا للاوطان اثواباً تبهرنا.
تخيل ان يخرج صوتاً من العراق هرباً من السياسة صوتاً يحمل نقوش سومر وبابل وتعاليم حمورابي وتاريخ الدولة العباسية. صوت موشوم بالديانات والأعراف واللغات والُحقب والاحزان.
يجتمع سكان روما ذات ليل ليكرموّه كصوت عالمي جاء من بلاد الرافدين، ويفعل أهل سيدني ماهو اعلى حين اهدوه مفتاح الاوبرا العريقة، وتغار القاهرة وتعطيه مفتاح الاوبرا المفتاح الموسيقي الاهم في الوطن العربي!
وتعزمه انجلترا ليغني في صالة البرت هول الصالة التي ذابت من فرط الرومانسية وأختنقت بـ آهات الجمهور؛ فقد جاء للعرب صوت يشبه القصيدة وقامة تشبه الرمح.
كمثال:
“واذا حانت صلاةٌ فأجمعي بعض دمعي، وتوضي، طهر الدمع ذنوبي كلها، وسقى ارض المحبين وارضي”
أغنية هائلة مختلفة تسبح عكس تيار أغنيات الوطن العرب. استغراق وجداني كامل يفكك الحُجب في ثقافتنا الاجتماعية.
يحسب لكاظم حينها أنه لعب باحتراف على مقياس (الاوكتافات) واصبح يغني جماعياً بطبقته الثانية جواباً والخامسة قراراً. حتى ينسينا زمن القصة ومكانها، حشد الصوت ليملأ أفق الخيال.
أحيا البحيرة التي يتأرجح فيها الورد والود، البحيرة التي كانت تسبح فيها (سعاد) وصديقاتها المتشحات بالبياض كالملائكة يرقصن برهافة الغيم، نشيداً أخير لعاشق، إمضاء عن نور ويقين.
نحتاج لأغاني من هذا النوع ليس لحساب الاغنيات فقط بل لأن نحيي مساء العالم والشاعر “عمر الخيام” الذي كان يرصد السماء وفي يده اليسرى كأس سُلاف عتيق، وفي اليُمنى كتف حبيبته (جهان) حيث أن اسم جهان يعني (العالم) .
نعود،
ان يقول المحب لحبيبته انت “شوكة في عيون الي يحسدونك”
في علم النفس هناك قاعدة قديمة ان الانثى لا ترى الا فكرة الامان، بعيد عن الذكر الذي لا يسعى الا للاهمية!
في هذه الاغنية يوفر الذكر المهم الامان لأنثاه، قالها كريم وغناها كاظم صريحة!
الاكتمال العاطفي في الاغنية هو نتاج تصالح أدمته المحاولات، حتى وان قال المغني “كلك على بعضك حلو” فأن الانثى بعد ثانتين ستقول ياليته قال انتي فوق “كلك على بعضك حلو” ولن تقول ذلك له لأنه كسب القصية وأنتصر لها حين قال “والاحلى الخجل الـ بعيونك” ستأخذ هذا الغزل رهينة لأيام المساومة التي تخوضها كل يوم دون ادراكها.
..
حتى أكون منصفاً رغم أن المُحب لا يُنصف.
كاظم لا يُصنف في ايامنا الحاضرة رغم امتداده، ربما لأن هناك خانة تنتظره في المستقبل ونحن مشغولين بعاطفة الايام التي تدركنا ولاندركها.
كما ان لام كلثوم شرف القصائد والفِرقة، ولابونورة شرف الموروث والقبول، ولفيروز شرف الصباحات واللحن.
لكاظم دوماً شرف الرومانسية والاعترافات.