في أنسنة الراديو وحب الأغنية
كانت نافذة الغرفة عالية، لا أستطيع رؤية الخارج إلا إذا تعلّقت، وبالكاد يصل رأسي إلى منطقة الرؤية.
كنت صغيرًا مشاكسًا، فأي صوت أسمعه من جهة الوادي أو جهة الشارع كان يثير حفيظتي، فأقفز محاولًا رؤية مصدره.
كان في الغرفة مسجّل أحمر يعمل أربعًا وعشرين ساعة. كنت أستمع إلى الراديو طول اليوم. كل ما يأتي به مهم وجميل. كان صاحبي الأول: أحلّ الواجبات، وآكل، وأنام، وأمارس كل طقوسي اليومية والراديو بجانبي.
كنت أغلق باب الجناح بالمفتاح، حتى إني إذا دخلت لأستحم أترك الباب مفتوحًا حتى لا ينقطع تواصلي مع الراديو. كان أقرب شيء لي في حياتي.
كنت أكتب أوقات البرامج في الصفحة الأخيرة من كتاب العلوم، ثم علّقت ورقة بيضاء كبيرة على الجدار بأسماء البرامج وأوقاتها، وأصبحت أبني مواعيدي على ما رتّبته الإذاعات.
تعطل الراديو.
كان يوم أربعاء، وأصبحت كاليتيم. أخذته وذهبت إلى السوق. كان المسجّل طويلًا وثقيلًا. حين أحمله وأبحث عن محلات تصليح الأجهزة، كان المنظر يشبه علامة +؛ طوله قريب من طول قامتي.
أمي أعطتني خمسين ريالاً وقالت: «انتبه، لا يغشّونك البيّاعين».
وكلما دخلت محل تصليح وشاهدوا الراديو الأحمر القديم، استغربوا منظري وأنا أحمله، ومن شكل الراديو. نتفاوض كثيرًا، ولم يطمئنني أحدهم بأن إصلاحه أقل من خمسين ريالاً. لذلك قضيت العصر والمغرب بين المحلات وأرصفة السوق.
وجدت محلًا في آخر السوق، وشرحت لصاحبه حالتي: أني أتيت مع قريبي لأصلح الراديو، وأن قريبي ذهب ولن يعود إلا الساعة العاشرة مساء، وأني أتمنى أن أجد من يصلحه بأقل من خمسين ريالاً.
دلّني على شخص في سوق مجاور، وقال: لا بد أن تأخذ سيارة لأن الراديو ثقيل، وإذا مشيت ستأخذ على الأقل نصف ساعة، وقد يعود قريبك ولا يجدك لأن إصلاحه سيأخذ وقتًا.
كان امتحانًا صعبًا. قررت أن أصلح الراديو مهما كلّفني ذلك من جهد، وذهبت إلى السوق مشيًا. ظهري وقدماي لم أعد أشعر بهما من ثقل الراديو وبعد المسافة، والوقت أيضًا كان لي بالمرصاد.
وصلت إلى المحل وأنا في قمة التعب. فحصه العامل المسن، تأمله، قلبه، واستغرب من شكله. قال لي: يبدو أن قطع غياره نادرة، لكن سأجتهد في إصلاحه.
كنت أقف معه وأساعده، من سلك إلى سلك ومن جزء إلى جزء، حتى اكتشف العطل. قال: بسيطة. ووصل الأسلاك، وغيّر مستشعر اللاقط، وشبكه في الكهرباء، فاشتغل. وكانت الساعة العاشرة ونصفًا؛ أي أن قريبي انتظرني وذهب.
أعطيته الخمسين، وعدت مشيًا إلى السوق الكبير أملًا في أن أجد من يعيدني إلى البيت. مشيت كثيرًا وقاربت الوصول، وإذا بأحد معارف والدي يقف ويتأملني، ويحاول أن يتأكد أني ابن صاحبه:
«أنت! ماذا تفعل هنا الآن في هذا الوقت؟ مع من أتيت؟ هل أنت بخير؟»
ضحكت وقلت: نعم، بخير. ركبت معه وشرحت له الأمر. قال: الله يهديك ويصلح لك. وذكرني بقصص كارثية حصلت لأطفال مثلي، فقلت له إني أؤيده. أوصلني البيت فشكرته.
دخلت غرفتي، وشغّلت الراديو، وإذا بهذه الأغنية!!