كأي طفل في السعودية، صحت أذناه على صوت طلال ومحمد، ثم يأتي تدرّج الأصوات بعد ذلك بحسب ما يمليه التلفاز والإذاعة وسيارات الأقارب.
كان لـ«خالد عبد الرحمن» في هذا التدرّج طعم مختلف ومذاق أصيل. لا أبالغ إن قلت إن خالداً جعل من الشباب في التسعينيات الميلادية أكثر رقّة وواقعية، حين كانت الأغنية تحلّق بالعاشق في شرفات الأحلام الوردية، بعيداً عن الظروف ومرارتها.
«مخاوي الليل» كان يتحدث عن خفقة قلوبنا وتعرّق أصابعنا، فجعلنا نشعر بأن المغني من بلدتنا، وأنه احترق بأحوالنا وأهوالنا.
بعيداً عن فخّ التنظير الموسيقي ومدارسه: مشاعر خالد لم تكن بحاجة إلى فرقة ماسية تعزف خلفه، ولا إلى شركة عملاقة تنتج أغانيه. خالد انطلق من داخلنا، وتعاظم باتساع آهاتنا. معه أمست عاطفتنا مكشوفة، وجراحنا مسموعة.
الآخرون بدأوا كمطربين هواة قاصدين الموسيقى؛ هو وحده بدأ شاعراً، وقاده شعره إلى آلة العود التي كسرها خمس مرات، لأنه أحب أن تُسمع جراحه، ولا شيء حينها إلا العود.
في ألبومه الأول باع سيارته لكي يوصل صرخة: «صارحيني… من هو أنا بديتك».
يراجعون حجم مبيعاتهم ومانشيتات الصحف، وهو لا يراجع إلا الذكريات وصداها الذي يقوده إلى ورق الشعر وريشة العود.
في كل حالة عاطفية كان يصبّ قلبه في المحبرة. ولأن حبيبته أحبّته كما هو، لا كما يطلب الجمهور، ظلّ خالداً، وظلّ كلٌّ منا مخاوي ليل.
هل تتذكرون رجفة الصوت في مسرح المفتاحة، أول حفلة شهيرة له؟ من يصدّق أن صوته المرتجف يومها ألهب الجماهير؟ حضروا لأنه من يمثّلهم في العاطفة، ولا مكان لاعتبارات الصوت والنظريات الموسيقية حينها.
جاء خالد في فترة كنّا نحتاجه فعلاً: طلال في آخر أيامه الفنية، ومحمد اعتزل، والبقية بين تقليد واجتهاد.
تخيّل ألا يكون للفنان إلا لون واحد — السامري — ومع ذلك يخاطب كل الجهات والمشاعر، بكل ارتحالات الوجد وتدرّجات الحب.
كانت أغانيه إهداءات مغلفة. وجود خالد بين كل عاشقين اختصر كثيراً من الكلام والملام. عمّم تجربته الجارحة على الجميع: جرّب الشوك وأهدانا الورد.
وكان على سبيل الممازحة أن من نراه يحمل شريط خالد نطلق عليه «الحِبِّيب» بتشديد كل الحروف. وهذا المجد بالذات لا يتكرر.
كان عشقاً بدوياً، ولا سبيل فيه لمساومة بحب أو متاجرة بعاطفة. كان على مدى عشرين عاماً يريد أن يغني «فجأة طلبتني لها» بصدق، كما لو أنها حقيقة. ولم يتورّع في العتاب إن تأخرت بالرد والود: «يا غايب عني، ترى للبطا لوم».
يبدأ شغف المغني عادة بتقليد الكبار في حركاتهم وسكناتهم، وغناء أغانيهم والسير في دروبهم. لكن خالداً أسّس لنظرية مخالفة: نظرية المراهنة على الشعور… والشعور فقط.
تخيّل أن يطلق طلال مداح على أحد لقب «الفنان الجماهيري»، وأن يستغرب كاظم من جماهيرية خالد في وقت قياسي، وأن يقول محمد عبده إن له فنّه الخاص الذي لا ينافسه فيه أحد. وأعرف كثيرين كان خالد يؤثّر فيهم، منهم من لا يسمع الأغاني..
وبعد كل هذه السنين، ما عاد الشريط يدور في السيارة. لكن خالد ما زال يقف حيث وقف أول مرة: لا على المنصة فقط، بل في المسافة الضيقة بين القلب والحنجرة. لم يوسّع اللون، ولم يبدّل الجرح بحكمة جاهزة، فبقي الصوت كما عرفناه: قريباً، متعباً، صادقاً. ولذلك حين نريد أستعادة بعضاً من صبوتنا لا نبحث عن حفلة ولا عن أرشيف… نبحث عن مخاوي ليل، لنجد أنفسنا.