استهلال: مخاض النظام واهتزاز العروش
إنّ النظام الدولي، بوصفه منظومةً من العلاقات والالتزامات والتوازنات التي أرستها إرادة الأمم في أعقاب الحربين العالميتين، يمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق لا سابق له في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة. فمنذ أن أرسى ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 قواعد التعايش الدولي، ومنذ أن رسمت اتفاقيات بريتون وودز هندسة الاقتصاد العالمي في العام ذاته، ظلّت المنظومة الدولية تدور في فلك محدود المراكز، تهيمن عليه قوى الشمال الصناعي وتُمسك بأدواته المؤسسية والتشريعية والمالية. غير أن ما يشهده المجتمع الدولي اليوم يُنبئ بأن هذه المعادلة التاريخية باتت موضع مراجعة جذرية، وأن ثمة إرادةً جماعية صاعدة تطالب بإعادة النظر في هياكل التمثيل والمشاركة في صنع القرار الدولي، وفق مبادئ العدالة والمساواة في السيادة التي نصّ عليها الميثاق الأممي ذاته.
في هذا السياق الدولي البالغ الحساسية والتعقيد، تبرز مجموعة “البريكس” (BRICS) كظاهرة غير مسبوقة، تستدعي من الباحثين والمحللين والمشتغلين بالقانون الدولي والسياسة المقارنة وقفةً تأمليةً معمّقة. فهذه المجموعة التي انبثقت في مطلع الألفية الثالثة من رحم التحليل الاقتصادي، ثم ارتقت إلى مصافّ الفاعلين الجيوسياسيين الكبار، تُجسّد اليوم طموح دول الجنوب العالمي في المطالبة بحصتها المشروعة في إدارة الشؤون الدولية؛ استناداً إلى ثقلها الديموغرافي والاقتصادي الذي لم يعد في الإمكان تجاهله أو تهميشه في أي صيغة للحوكمة الدولية الفاعلة.
وتكتسب دراسة هذه الظاهرة أهميةً استثنائية في ضوء ما تشهده الساحة الدولية من تحولات متسارعة؛ إذ تتقاطع فيها مسارات إعادة هيكلة منظومة التمويل الدولي، وإصلاح هياكل الأمم المتحدة وصناديقها ووكالاتها المتخصصة، ومراجعة قواعد التجارة الدولية وآليات تسوية النزاعات، مع مساعي بناء بنية تحتية مالية ونقدية موازية تُقلّص الاعتماد على العملات الاحتياطية التقليدية. ومن ثَمّ، يغدو التساؤل الجوهري الذي يُلقي بظلاله على كل هذه المسارات: هل تملك مجموعة البريكس من الإرادة السياسية الجماعية والأدوات المؤسسية والقانونية ما يُمكّنها من الانتقال بالنظام الدولي من أحادية القطب إلى تعددية حقيقية قائمة على الشراكة والتوازن والاحترام المتبادل للسيادة؟ وما الأبعاد التي ترسم ملامح هذا الصعود الإستراتيجي في ضوء الديناميكيات الراهنة لعامي 2025 و2026؟
أولاً: الأطروحة الاقتصادية كرافعة للنفوذ الإستراتيجي
بدأت الحكاية في مطلع القرن الحادي والعشرين كفكرة تصنيفية في أروقة المال كتقدير تحليلي للاقتصادات الناشئة الكبرى: البرازيل وروسيا والهند والصين. ثم تحولت في عام 2006 إلى واقع سياسي أسس لبنية تحتية اقتصادية صلبة، ثم إلى إطار سياسي فعلي مع أول قمة في يكاترينبورغ عام 2009، وانضمت جنوب أفريقيا لاحقاً لتصبح “البريكس”. واليوم، تشير التقديرات المستقلة إلى أن التكتل بعد توسعاته الأخيرة بات يمثل ما يقارب 40% إلى 44% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي مقوماً بتعادل القوة الشرائية (PPP)، متجاوزاً بذلك الحصة النسبية لمجموعة السبع الصناعية (G7)، فضلاً عن استيعابه لنحو نصف سكان كوكب الأرض.
هذه الأرقام الفلكية هي الفلسفة الراسخة التي يتكئ عليها الصعود السياسي للبريكس، إذ أدركت دول المجموعة أن النفوذ السياسي في عالم ما بعد العولمة لا يمكن صيانته بالخطابات الدبلوماسية وحدها، وإنما بامتلاك مفاصل الاقتصاد الدولي:
هذا العمق الهيكلي يحول القدرة الاقتصادية الصامتة إلى نفوذ سياسي متصاعد، ويجعل من التكتل رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة لإدارة الأزمات الدولية أو صياغة السياسات المالية العابرة للحدود. فالمجموعة التي بدأت كمنتدى اقتصادي أصبحت تطرح رؤى حول الحوكمة العالمية، وإصلاح المؤسسات الدولية، وتنويع آليات التمويل والتجارة.
ثانياً: من الاقتصاد إلى السياسة.. هندسة التعددية القطبية
إن الانتقال الهيكلي للبريكس من “الوعاء الاقتصادي” إلى “المظلة الجيوسياسية” يمثل جوهر التحول في النظام الدولي المعاصر. فقد تجاوزت الاجتماعات السنوية للمجموعة مناقشة معدلات الفائدة والتبادل التجاري، لتتحول إلى منصات لصياغة مواقف إستراتيجية موحدة تجاه النزاعات الدولية، وإصلاح منظومة الأمم المتحدة، ومواجهة سياسات العقوبات أحادية الجانب.
تتجلى هذه الهندسة السياسية الجديدة في تبني المجموعة لمفهوم “الجنوب العالمي” (Global South) كعنوان عريض للمطالبة بـ “العدالة الدبلوماسية”. فالبريكس يقدم نفسه اليوم كبديل إستراتيجي للدول التي سئمت من مشروطية المساعدات الغربية والوصاية السياسية. ومن خلال تعزيز “الحكم الذاتي الإستراتيجي”، نجحت المجموعة في خلق مساحة دبلوماسية مناورة للدول المتوسطة والقوى الإقليمية، تتيح لها التحرر من ثنائية الولاء المطلق لقطب واحد.
وقد أكدت قمة ريو دي جانيرو السابعة عشرة (يوليو 2025) تحت الرئاسة البرازيلية على تعزيز التعاون بين دول الجنوب من أجل حوكمة أكثر شمولاً واستدامة. وتضمن إعلان ريو دي جانيرو مطالب واضحة بإصلاح حصص التصويت في صندوق النقد الدولي ودعم اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتعاون الضريبي الدولي، فضلاً عن تبني إعلانات حول تمويل المناخ والحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
التحديات الداخلية: التنوع مصدر قوة وصراع
غير أن هذا النفوذ السياسي الصاعد يواجه تحديات بنيوية ناتجة عن التباينات السياسية الداخلية بين أعضائه. فالتباين الكبير بين الدول الأعضاء — في الأنظمة السياسية والأولويات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية — يجعل التوصل إلى مواقف موحدة أمراً صعباً في كثير من الملفات الحساسة.
تُعد أزمة الشرق الأوسط وتصاعد التوترات الإقليمية مثالاً صارخاً على هذا التحدي. فقد كشف اجتماع وزراء خارجية البريكس في نيودلهي في مايو 2026 عن عمق هذه الانقسامات، حيث انتهى الاجتماع دون إصدار بيان ختامي مشترك بسبب الخلافات حول صياغة الموقف من النزاع الذي يضم إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وبدلاً من ذلك، أصدرت الهند (الدولة المضيفة) “بيان الرئاسة” الذي أقر بوجود وجهات نظر مختلفة بين الأعضاء، مما يسلط الضوء على صعوبة التوفيق بين مصالح دول مثل إيران من جهة، ودول الخليج التي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الغرب من جهة أخرى.
هذا التباين نفسه هو مصدر قوة وضعف في آن واحد: فهو يمنع تحول المجموعة إلى كتلة منغلقة، في حين يحد من قدرتها على الفعل الجماعي السريع. فالخلافات الحدودية والتنافس الجيوسياسي بين الصين والهند، والتباين في صياغة العلاقات مع الغرب بين موسكو وبكين من جهة، وبرازيليا ونيودلهي من جهة أخرى، يفرض على المجموعة انتهاج نموذج مرن للعمل متعدد الأطراف يقوم على قاعدة: “التوافق حول المشتركات الاقتصادية والتنموية، مع الاحتفاظ بالمرونة السياسية في الملفات الخلافية”.
ثالثاً: البُعد القانوني والمؤسساتي.. محاكمة “بريتون وودز”
من منظور القانون الدولي العام وتشريعات المنظمات الدولية، تسعى البريكس إلى إصلاح النظام القائم المرتكز على ميثاق الأمم المتحدة وتوسيع قاعدة المشاركة فيه لتشمل دول الجنوب العالمي بشكل عادل، دون هدمه أو الانقلاب عليه. ورغم افتقار البريكس إلى ميثاق منشئ كالأمم المتحدة، فإن هذا الغياب للمأسسة الصلبة لم يُعقها عن خلق أدوات قانونية ومؤسساتية موازية بدأت بالفعل في ممارسة أدوار سيادية تهز عرش المنظومة القانونية المالية الدولية التي تأسست في اتفاقية بريتون وودز عام 1944 .
يمثل بنك التنمية الجديد (NDB) التابع للبريكس، ومقره شانغهاي، الأداة القانونية الأبرز لتحدي الهيمنة التمويلية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. من الناحية القانونية، يحرص البنك على تقديم قروض تنموية دون فرض الشروط السياسية والهيكلية الصارمة التي توصف في أدبيات الجنوب العالمي بأنها تدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وقد وافق البنك حتى الآن على تمويل مشاريع بقيمة تقارب 43 مليار دولار في مجالات البنية التحتية والطاقة النظيفة والتنمية المستدامة. والأهم من ذلك، يسعى البنك بنشاط إلى زيادة نسبة الإقراض بالعملات المحلية لتقليل الاعتماد على الدولار وتجنب مخاطر تقلبات أسعار الصرف. وتشير تقارير البنك لعام 2026 إلى أن تمويل العملات المحلية يمثل بالفعل جزءاً كبيراً من محفظته، مع خطط للوصول إلى نسبة 30% إلى 40% من إجمالي التمويل بحلول نهاية عام 2026 .
كما شهدت قمة ريو 2025 الإعلان عن “مبادرة ضمانات البريكس المتعددة الأطراف”، وهي آلية تهدف إلى تقليل المخاطر السياسية لتشجيع الاستثمار في البنية التحتية في دول الجنوب، على غرار الوكالة الدولية لضمان الاستثمار التابعة للبنك الدولي، مما يضيف أداة مؤسسية جديدة لتعزيز التنمية المستقلة.
في المجال السيادي النقدي، تخوض دول البريكس معركة قانونية واقتصادية شرسة لكسر هيمنة الدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية وأداة للعقوبات العابرة للحدود. إن النظام القانوني للمدفوعات الدولية الخاضع لهيمنة نظام “سويفت” (SWIFT) الغربي تحول في الأزمات الأخيرة إلى سلاح جيوسياسي، مما دفع البريكس إلى تطوير بنية تحتية رقمية وقانونية موازية:
من الناحية القانونية، تثير هذه المحاولات نقاشاً عميقاً حول “حصانة السيادة النقدية” للدول، وتؤسس لتعددية قانونية نقدية تحمي الدول من مخاطر تجميد الأصول. وقد أثارت هذه التحركات ردود فعل حادة من الإدارة الأمريكية، حيث لوّح الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على دول البريكس إذا مضت في سياسات تقويض الدولار، مما يضع التكتل أمام معادلة دقيقة توازن بين الاستقلال المالي وتجنب الصدام التجاري المباشر.
رابعاً: المشهد الراهن والتوسعات الإستراتيجية (نظرة على واقع 2026)
يقف تكتل البريكس اليوم في عام 2026، تحت رئاسة جمهورية الهند، أمام مرحلة مفصلية من تاريخه توازن بين طموحات التوسع الإستراتيجي وحتمية الضبط المؤسساتي. فبعد الطفرة التاريخية التي شهدتها المجموعة بفتح باب العضوية لقوى إقليمية مهمة، استقرت في المشهد الراهن على هيكلية تضم عشر دول ذات عضوية كاملة هي: البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا، مصر، إثيوبيا، إيران، الإمارات العربية المتحدة، وإندونيسيا. وتحتفظ المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة بوضع استثنائي فريد؛ إذ تلقّت دعوة رسمية للانضمام منذ قمة جوهانسبرغ عام 2023، وتتعامل معها بمنطق “التحوط المرن”، فلا تُغلق الباب ولا تُفعّل الانضمام الرسمي، في معادلة دبلوماسية دقيقة تحفظ لها مساحة التدبيرالاستراتيجي في علاقاتها مع واشنطن وبكين في آنٍ واحد.
ولمواجهة الطوفان البشري والجيوسياسي المتمثل في تقديم أكثر من ثلاثين دولة لطلبات رسمية للانضمام، خطت المجموعة خطوة قانونية وتنظيمية بالغة الذكاء في مسار المأسسة؛ حيث اتفقت قياداتها على تعليق قبول الأعضاء الجدد بصفة “عضو كامل” مؤقتاً، والاستعاضة عن ذلك بتفعيل نظام قانوني مبتكر هو “فئة الدول الشريكة” وتضم هذه القائمة الرسمية لعامي 2025 و2026 عشر دول شريكة انتُقيت بعناية لتمثل امتداداً جغرافياً وإستراتيجياً للمجموعة عبر القارات، وهي: بيلاروسيا، بوليفيا، كوبا، كازاخستان، ماليزيا، نيجيريا، تايلاند، أوغندا، أوزبكستان، وفيتنام.
هذا التدرج الهيكلي يسمح للتكتل بامتصاص الزخم الدولي الراغب في الانعتاق من الأحادية القطبية، دون الوقوع في فخ الترهل التنظيمي أو شلل القرار الناجم عن التباينات السياسية الكبرى.
وتسعى الرئاسة الهندية لعام 2026، تحت شعار “بناء القدرة على الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة”، إلى ترسيخ هذا التوجه من خلال التركيز على المرونة الاقتصادية والتكنولوجية والتنمية المستدامة. ويُعد النموذج الهندي، الذي يركز على البناء المؤسسي والتوافق العملي عوضاً عن المواجهة الأيديولوجية المباشرة مع الغرب، مساراً حيوياً للحفاظ على تماسك المجموعة، خاصة في الفترة التي تسبق القمة الثامنة عشرة المقرر عقدها في الهند.
خامساً: الدبلوماسية السعودية وإستراتيجية “التحوط المرن” في عالم متعدد الأقطاب
إن قراءة الموقف الإستراتيجي للمملكة العربية السعودية تجاه ملف البريكس يمثل نموذجاً تدرس أبعاده في أروقة الفكر السياسي الحديث وعلم الدبلوماسية الوقائية. فالمملكة، وهي تمضي بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤيتها الطموحة “رؤية السعودية 2030″، تنطلق من إدراك عميق لمكانتها كقوة إقليمية أولى، ومحور رئيسي في الاقتصاد والطاقة العالمي، ومركز ثقل روحي وسياسي في العالمين العربي والإسلامي.
لذلك، اتسمت السياسة الخارجية السعودية تجاه دعوة الانضمام للبريكس بـ “التحوط المرن متعدد المسارات” (Multi-alignment Strategy)؛ وهي إستراتيجية تقوم على تفكيك مشهد القوة الدولي وإعادة تركيبه وفق المصلحة الوطنية العليا للمملكة، بعيداً عن الاستقطابات الحادة. وتتوزع هذه الإستراتيجية على مسارين متوازيين يسيران في آنٍ واحد دون أن يتعارضا، يُشكّلان معاً نسيجاً تكتيكياً متماسكاً يعكس عمق الرؤية السعودية وبُعد نظرها.
فالمسار الغربي والأمريكي، تُديره الرياض بعناية فائقة عبر منظومة من الشراكات الأمنية والدفاعية الإستراتيجية الراسخة، إلى جانب اتفاقيات تكنولوجية ونووية تُعزز مكانتها كدولة تنافس في منظومة الطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة، فضلاً عن الحفاظ على قنوات الاستثمار المتبادل التي تربط الاقتصاد السعودي بالأسواق الغربية الكبرى وتُغذّي مسيرة التنويع الاقتصادي في إطار رؤية 2030.
وفي المقابل، يتشكّل المسار الشرقي والدولي من روافد متكاملة تتضافر في خدمة المصلحة الوطنية العليا: أولها شراكات الطاقة الممتدة مع الصين والهند، اللتين تحتلان مراتب الصدارة بين المستوردين للنفط السعودي وتمثلان ركيزتين لا غنى عنهما في أي رؤية تنموية مستقبلية. وثانيها السعي الحثيث إلى تنويع أسواق الصادرات والتجارة بما يُحرر الاقتصاد الوطني من الاعتماد على سوق بعينها. وثالثها التنسيق الدولي المحكم في إطار تحالف “أوبك بلس” (OPEC+)، الذي يمنح المملكة نفوذاً استثنائياً في ضبط أسواق الطاقة العالمية والتأثير في معادلات الاقتصاد الكوني.
منذ صدور دعوة قمة جوهانسبرغ، تعاملت الرياض مع الملف بحكمة وهدوء إستراتيجي؛ إذ تدرك المملكة أن مصالحها الحيوية والأمنية والدفاعية الكبرى ترتبط بشبكة معقدة من التحالفات التاريخية مع الشركاء الغربيين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية. على الضفة الأخرى، فإن الصين تمثل الشريك التجاري الأول للمملكة ومستورداً رئيسياً للنفط السعودي، فضلاً عن العلاقات الإستراتيجية المتنامية مع الهند وروسيا وبقية دول المجموعة في إطار ضبط أسواق الطاقة العالمية عبر تحالف “أوبك بلس”. إن الانضمام المتأني يعكس حنكة دبلوماسية تدرك أن البريكس، رغم صعوده، لا يزال يعاني من تباينات داخلية، وأن الانضمام المتسرع قد يُقيّد هامش المناورة السعودي في ظل علاقات دولية بالغة الدقة والتعقيد.
تتجلى عبقرية الدبلوماسية السعودية في إبقاء مسافة مدروسة وثابتة تمنح القرار السياسي السعودي أعلى درجات المرونة؛ فالملفات الجيوسياسية الدولية المحيطة بالمجموعة تفرض على القوة السعودية عدم الانزلاق إلى تكتلات قد تُفسر في العواصم الغربية على أنها جبهة مناهضة للغرب. إن السعودية بحضورها ومشاركتها المهمة في المنتديات الدولية (باعتبارها عضواً فاعلاً في مجموعة العشرين G20)، تثبت للعالم أن قيمتها السيادية تنبع من ذاتها وتأثيرها الإستراتيجي، وهي غنية عن تعريف نفسها عبر الذوبان في كيانات متعددة الأطراف قد تحد من مرونتها السيادية.
إن المملكة تقف موقف المحور الدبلوماسي اللامع الذي يحسن استثمار علاقاته الإستراتيجية شرقاً وغرباً لتأمين مسيرته التنموية الداخلية وصياغة بيئة إقليمية مستقرة.
خلاصة القول : أفق المستقبل وإعادة كتابة التاريخ الدبلوماسي
إن صعود مجموعة البريكس من فكرة في ذهن خبير اقتصادي إلى قوى تعيد هندسة الجغرافيا السياسية والقانونية للعالم، هو دليل قاطع على أن النظام الدولي قد غادر حالة الجمود ودخل مرحلة السيولة. العالم اليوم لم يعد يقبل القوالب الجامدة، والقوة باتت تُقاس بالقدرة على الابتكار المؤسساتي، ومرونة التحالفات، وامتلاك أدوات السيادة الرقمية والنقدية، أكثر مما تُقاس بمدى السيطرة على المؤسسات التقليدية.
إن مجموعة البريكس تعبير عميق عن تململ دول الجنوب العالمي من نظام دولي صُنع في غيابها ويُدار بمعزل عن مصالحها، فهي أبعد ما تكون عن كونها مجرد رد فعل عابر على هيمنة الغرب. لقد نجحت هذه الدول في تحويل قوتها الاقتصادية الكامنة إلى نفوذ سياسي يفرض نفسه على طاولة المفاوضات الدولية. ومع ذلك، فإن مستقبل هذا التكتل يظل مرهوناً بقدرته على تجاوز انقساماته الداخلية، وبناء رؤية مشتركة لدوره في النظام العالمي. فإذا استمرت الخلافات بين الأعضاء في إعاقة اتخاذ قرارات حاسمة، فإن البريكس يخاطر بالتحول إلى منبر للخطاب فقط دون فعل .
وفي هذا المخاض الدولي، تبرز الدبلوماسية السعودية كمنارة للحكمة والاتزان؛ حيث تقدم نموذجاً ملهماً لكيفية إدارة القوة الإقليمية لخياراتها الإستراتيجية في زمن التحولات الكبرى. فهي لا تندفع وراء الشعارات الفضفاضة، ولا تنكفئ عن الفرص الواعدة، وإنما تصيغ قرارها السيادي بميزان من ذهب يحفظ مكتسباتها ويصون أمنها القومي .
إن “البريكس” قوى صاعدة بلا ريب، وصعودها فصل جديد من فصول التاريخ، يكتبه القادرون على قراءة السياسة بلغة الارقام، وتطويع نصوص القانون لخدمة طموحات الشعوب في غدٍ أكثر انفتاحا وعدالة.
المراجع والمصادر
[1] المقالات التحليلية المجمعة، “من الاقتصاد إلى النفوذ السياسي: البريكس قوى صاعدة في النظام العالمي”، تقرير بحثي (2026).
[2] Sahai, Vrinda. “Managing Divergence: India’s BRICS Presidency in 2026”, Carnegie Endowment for International Peace, June 5, 2026.
[3] Darnal, Aude et al. “2025 BRICS Summit: Takeaways and Projections”, Stimson Center, August 4, 2025.
[4] Council on Foreign Relations. “What Is the BRICS Group and Why Is It Expanding?”, Backgrounder.
[5] Saaida, M. “De-dollarization and global power shifts in new economic landscape”, BRICS Economics, 2024.
[6] Sader, Valentina and Albe, Ignacio. “What really came out of this year’s BRICS summit?”, Atlantic Council, July 8, 2025.
[7] Khan, Sana. “BRICS Fails to Reach Joint Statement as Iran War Exposes Internal Divisions”, Modern Diplomacy, May 15, 2026.
[8] New Development Bank (NDB). “Investor Presentation”, June 2026.
[9] New Development Bank (NDB). “2026 Credit Rating Report for New Development Bank”, April 2026.
[10] GIS Reports. “BRICS making incremental progress in dollar-free trade”, October 2025.
[11] BRICS 2026 India Presidency Official Portal. “About Us”,
[12] Rio Times. “BRICS Summit 2026: 11 Members, 10 Partners Explained”, July 2026.