ابن زيدون..

لا تَحسَبوا نَأيَكُم عَنّا يُغَيِّرُنا
أَن طالَما غَيَّرَ النَأيُ المُحِبّينا

وَاللَهِ ما طَلَبَت أَهواؤُنا بَدَلاً
مِنكُم وَلا اِنصَرَفَت عَنكُم أَمانينا

يا لهذه القصيدة التي نُقشت على جدار قلبي قبل ذاكرتي..

قصيدة حفظتها وعمري اثنتا عشر عام..
أعود لها إذا طاف بالقلب وحَام..

ما يأخذ بـيد شعوري الصبِّ إلى فيافي الشجن، ويزيح عن عقلي الأفكار المترامية إلى فكرة واحدة تتجول بي في اللانهائية!

ما يربكني الحديث عنه وأركن للصمت الطويل الذي يؤرقني في الليل، ويجعلني أحرث أرض الواقع بمجرفة الذكريات، فأستعيد مشهد الحفظ والمراجعة بزهو الشباب، ويأبى السهو أن يطرق الباب..

ما يسقيني من نبع الاشراق، لأعود لنفسي واسألني متى تغيرت؟
وبحنو الأب يضعني أمام الذي بطوعه تنازل عمّا يهوى، في سبيل من يهوى، عندما خرج من الملعب ولم يعد للركض وراء الكرة، بعدما قضى صباحه في الوادي الأخضر..

وما يؤكد ظنوني بأن الروح لا يسكنها الألم، فالقلب من يتحمله أما هذا السر البديع فقد تحصن سلفًا بروح الله..
وأن الأيام يا سادة دائمًا ما تعود لأوج زينتها؛ وذلك لأن كواكبها لا تجرؤ على جفاء أفق الجمال المتلألئ.. 

هذه القصيدة لها أقواس قرطبة، وعراقة اشبيليه، وخلود قصر الحمراء
تشبه مفازة الموشحات البديعة، التي نقشت الفصاحة على بحور الرمل وهزمت الرياح لسنين طوال..

Monumento a los Enamorados، Pablo Yusti Conejo، 1971

تذكر مجلة الفيصل في عددها 364 الصادر بتاريخ أكتوبر/نوفمبر 2006 بأنَّ «النصب عبارة عن يدين نحاسيتين متقاربتين وغير متماسكتين، إحداهما يد امرأة بشكلها الأنثوي وبروز شيء من أظافرها ودقتها، والأخرى يد رجل تشكلان في تقابلهما صورة تقترب من المصافحة، وقد وضعتا على نصب صخري مستطيل قائم، وكتب على الجهة التي تقابل الجامع، والتي يفصل بينهما طريق عامر لم يتغير عن شكله العربي القديم. أي: الطريق ومعالمه.» 

هذه الأبيات مع نسبتها إلى ولَّادة:

أُغَارُ عَلَيْكَ مِنْ عَيْنِي وَمِنِّي
وَمِنْكَ وَمِنْ زَمَانِكَ وَالْمَكَانِ
وَلَوْ أَنِّي خَبَّأْتُكَ فِي عُيُونِي
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا كَفَانِي

وكتب تحتها مباشرةً مع نسبتها إلى ابن زيدون:

يَا مَنْ غَدَوْتَ بِهِ فِي النَّاسِ مُشْتَهَرًا
قَلْبِي يُقَاسِي عَلَيْكَ الْهَمَّ وَالْفِكْرَا
إِنْ غِبْتَ لَمْ أَلْقَ إِنْسَانًا يُؤَانِسُنِي
وَإِنْ حَضَرْتَ فَكُلُّ النَّاسِ قَدْ حَضَرُوا

لماجد الشبل رحمه الله رصيفًا في قلوبنا منذ الصغر..
ولا يصح أن نذكر القصيدة دون أن يتسرب لنا صوته العربي، الذي يبدو وكأنه ينطلق من مذياع حجازي قديم، ويفعل بمسامعنا ما يفعله المطر بالبيوت الطينية.. 

كرزة الطاووس (la cerise du paon) للفنان الجزائري حسين زياني

لَسنا نُسَمّيكِ إِجلالاً وَتَكرِمَةً
وَقَدرُكِ المُعتَلي عَن ذاكَ يُغنينا

إِذا اِنفَرَدتِ وَما شورِكتِ في صِفَةٍ
فَحَسبُنا الحتفُ إيضاحاًّ وَتَبيينا