في زقاقٍ ضيقٍ من أزقة هذا الوجود المكدود، يمضي رجلٌ توكّأ على خريفه عائدًا لبيته من الوظيفة، يراقص كرةً صغيرةً يعرفها أكثر مما تعرفه. يتلاعبون بجاذبية الأرض وانجذاب البشر. لا تلفت انتباهه الوجوه العابرة ولا السنين الغابرة، ولا تخدش عزلته جلبةُ الشارع ولا فوضى الزمن المتسارع، ولا يشعر بثقل حقيبةٍ تقتات على انحناءة كتفه.
نفث دخان سيجارته تأكيدًا حينها لصدارته، وخلع عنه رداء الشارع، وتخفّف من ضجيج البشر وذكريات الصبر، وانسلّ من ذاته المثقلة؛ ليحلّق في ملكوتٍ لا يعرفه سواه: موهبته ودواه.
إنها الموهبة التي طوّقتها قسوة الأيام والأسقام، فاستكانت في أقبية الروح، تترقّب بصيص نورٍ لتنعتق وتنطلق. كم من موهبةٍ باذخةٍ وأدتها رحى النسيان؟ وكم من لاعبٍ، أو عازفٍ أو مبدعٍ عصفت به صروف العيش، فجرفته بعيدًا عن مرافئ شغفه.
في ذاكرة كلٍّ منا طيفٌ لصديقٍ أو قريب، كان ينثر سحر موهبته قبل أن تبتلعه دوامة الأيام، وتلقي به في غياهب المسؤوليات الجسام.
لكنه، متى ما عانق شغفه العريق وسحره العتيق، ولو في خلسةٍ من الزمان وضيق المكان، ينفض عن روحه غبار السنين والأنين، ويبعث طفلًا يلهو في فردوسه المفقود وعالمه المنشود، غافلًا عن الكون بأسره.
إن الموهبة جذوةٌ تأبى الانطفاء وترفض الاكتفاء. قد تغفو دهرًا تحت رماد الأعوام والآلام، وفي الواقع أنها تهمس في أرواحنا بيقينٍ مطلق: إن في قاع كل روحٍ بشريةٍ ربيعًا مخبوءًا، يتحيّن غيمةَ شغفٍ؛ ليزهر من جديد.