في بداية تعرف الطفل على الكلمات، يركّب جملاً جديدة، يبتكر سياق مختلف معتمداً على حصيلة المفردات وإتساع الخيال، جُملاً لها وقع الشعر ودهشته وعذوبته.
يكبر الناس فيحاكون بعضهم، وتحجبُ الألفة بريق الكلمات، ويحيلها طول الإستخدام قوالب ميّتة وتعابير بلا معنى ولا روح.
الشعر هو عودة إلى طفولة اللغة وبكارتها، والشاعر هو طفل اللغة الأبدي.
يسأل أبٌ ابنته عن لون الفستان الذي تريده فتجيب “أبغى ألبس زي الليل الي فيه نجوم”
والتي تقول عن جدتها بأنها “أكبر أم”
وتريد أخرى أن تعبر عن حدث صار قبل يومين فتقول “قبل أمسين”
ويريد طفل آخر أن يعبّر عن الجمع فيقول “واحِدات”
وطفل أخر يقول أن “القمر بعيد لأنه يخاف منا”
وتعبر طفلة عن الفجر فتقول “الشمس تمسح الظلام”
وتصف أخرى الغروب قائلة “الشمس غطست في البحر”
وطفله تصف اللون البنفسجي بأنه “لون القرية”
تضحكنا هذه التراكيب والتعابير التي يقولها الأطفال، لكنها جوهر الشعر،ومثاله الصافي، وتعريفه الخام.
لا تقتصر وظيفة الشاعر على خلق الصور والمعاني وحسب؛ بل وخلق اللغة وتجديدها وهذا دأب الطفل.
يقول بودلير: “ليسَ الشعر إلاّ الطفولةَ المُستعادةَ قسرا”
ويقول وادرين: “الشعر مرآة الطفولة”
وحين سُئل بورخيس عن ماهية الشعر، أجاب :
“هو الطفولة، وجدتها مرّة أخرى”
هذا وشكراً للسادة المشاهدين..