ميسي: المرادف للدهشة لا يختار المدى؛ بل يُحضّره

هناك أسماءٌ تتحوّل مع الوقت إلى مفاهيم ورموز
إلى مجازاتٍ حيّة تتجاوز معناها الأول.
وأخيرًا وليس آخرًا يسطع ميسي هذا الاسم الذي صار:
مرادفًا للدهشة هذا المنفلت من القوانين
لا يمكن فهمه بمعايير اللعبة وحدها.

خصومه لا يعانون من نقص المهارة
بل من فائض الزمن الذي يتلاعب به ميسي كما يشاء
فإدراكه للحظة مختلف؛ كأن الثانية تمرّ مرتين: مرة ليلاحظ، ومرة لينفّذ. 
ليس أسرع، ولا أطول، ولا أقوى
لكنه الأكثر سلاسةً إدراكيّةً، والأقدر استيعابًا للحظة.
والمسافة، والتوازن العصبي بين الدماغ والجسد، وإذابة الفاصل بين الفكرة والحركة.

يمشي ببصره ويتأمل بجسده!
لا أحد يلحظه وهو يتنزّه في المِلّي ثانية
يراقب ميلان الخطوط، وانضغاط الفراغات، وتشوّش النوايا في عيون الخصم.

في اللحظة التي يتصلب فيها الجميع كما يشعر هو:
يتحرّك كالطيف، ينتشر كالضوء، يتدفّق كالهواء، يراوغ كالزئبق، يجترح خطًا دقيقًا بين الممكن والمستحيل!

يُصمم مستقبلٍ محتمل، مستقبلٍ ينسجه من الانطباعات:
ميلان كتف المدافع، تاريخ الوسط مع المرتدات، نظرة زميله نحو فراغ، تهور الظهير، إحباط المحور.

المساحة بالنسبة له ليست جغرافيا، بل إطار ذهني
يدخلها قبل أن تُفتح، ويخرج منها بعد أن تُغلق
يبحر في الفراغات الخفية لا يختار المدى؛ بل يُحضّره.

إنه المبتكر الأول لفنّ التواجد في الهامش المثمر:
تمريرة محتملة، تسديدة متوقّعة، دوران قادم، جميعها شيفرات يزرعها في وعي المدافع.
تلك الإشارات المخادعة تضع الخصم في حالة من التردد الدائم، بين التوقع والاستجابة.

يتخذ المدافع قراره ميسي اختفى!
يمتلك ميسي رؤية بيليه، ومكر مارادونا، واحترافية كريستيانو
لكنه يتفوّق عليهم جميعًا بشيء لا يُقاس: البصيرة.
ذلك الانسجام النادر بين الفطرة والعقل؛ التوازن الدقيق بين العفوية والتقنية. 

كان لاعبو الأرجنتين أندادًا للاعبي البرازيل.
حتى جاء ميسي، فأصبح وحده ندًّا لشعبية منتخب البرازيل.
احتاج فرانكو بمساعدة النازية والفاشية ثلاثَ سنواتٍ ليدخلَ مدريد
بينما كان ميسي يتجوّل بين أسوارها في كل الفصول.

لم تكن رحلته بحثًا عن كأس أو رقم
بل عن معنى؛ عن طريقة أكثر نبوغًا في كرة القدم.
حرّر هذه الرياضة من عبثية المصارعة، وتجلى بها إلى عقل الشطرنج
إلى جوهرها الأول: نزهة الجسد ومتعة المغامرة.

إن براعة ميسي ليست في عدد أهدافه
ولا في ألقابٍ جمعها، ولا في اختراقه كتائب المدافعين
بل في شيء آخر تمامًا: أنه جعلنا نرى اللعبة بطريقة لم نتوقعها، غيّر رؤيتنا لها.

علّمنا أن الزمن ليس ما تقيسه العقارب، بل ما تصنعه الفكرة.
وأن المساحة ليست خطوطًا ورسومًا، بل وعيًا يتحرك.

ميسي العقل جسدي
الذي سبق اللاعبين بجزءين من الثانية،
وسنتين، وعقدين وربما قرنين من الزمــان وبالتأكيد في كل مكـــــان