في يومه العالمي (9 أكتوير)
حين كانت الرسالة تستعير نسمات الروح، وتتشح بصبوات القلب، في زمنٍ كانت فيه المسافات تُقاس برائحة الحبر لا بصرير الأزرار، كانت تلك الرسائل القادمة من ضفاف الغربة تحمل بين ثناياها عطر الأمكنة، وهمس المدى، ودفء انتظارٍ يشبه فرحة اللقاء الأول.
كانت المظاريف ترتحل عبر القارات والمحيطات، في رحلاتٍ صامتةٍ يرافقها الشوق ويحفّها التوق، وتختمها أيادٍ تتقن فنّ البوح الرصين والشعور المكين؛ قبل أن يتحوّل ذلك البوح إلى إشعار قراءة على شاشةٍ ساطعة الضوء عديمة الشعور.
يوافق اليوم التاسع من أكتوبر يوم البريد العالمي؛ اليوم الذي وُلد فيه الاتحاد البريدي العالمي عام 1874 في برن بسويسرا، ليجمع العالم في حوارٍ كوني مكتوب، قبل أن تتحوّل حروفه إلى ومضات إلكترونية.
ومنذ أن أعلن مؤتمر طوكيو عام 1969 عن هذا اليوم، لم يعد البريد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح شكلاً حضارياً يوثق مسيرة الإنسان؛ فكل رسالة لوحة زمنية، وكل طابع نافذة صغيرة على روح البلدان.
كان الحمام الزاجل يقطع المسافات بقلوبٍ مُعلّقةٍ بجناحيه، يحمل رسائل قد تُغيّر مجرى تاريخ، أو تُزهر حياةً في قلبٍ ميت. أما اليوم، فقد حلّت الأقمار الصناعية والألياف الضوئية محلّ ذلك الطائر النبيل.
صارت الرسائل تصل في لمحة عين، لكنها فقدت متعة الشوق ولذة الانتظار. لم نعد نترقب وقع خطى ساعي البريد على دروب الأمل، ولم نعد نرتجف ونحن نفرغ المظروف المختوم بختمٍ شمعيٍ أحمر.
ومع ذلك، فـ روح البريد لم تغادرنا؛ ما زالت تتنفس بيننا.
فحين نكتب رسالة عبر “واتساب”، فإننا نعيد تمثيل الطقس الإنساني ذاته: نرسل نبضةً، وننتظر صدى، ونخبئ بين السطور ما يعجز الصوت أحياناً عن حمله. غير أن الفرق أن الرسائل القديمة كانت تُفتح بتؤدةٍ كانبثاق الفجر وتفتح الوردة.
وفي هذا اليوم، أجدها فرصة لأقول بصدقٍ ومودّة:
إن كنتُ قد أكثرتُ عليكم برسائلي أو أرهقتُ هواتفكم ببوحي، فاعذروني — فكل رسالة كانت من القلب، ولم تكن إلا محاولةً صغيرة لأبقي خيط الودّ مشدودًا بيني وبينكم. ويوم البريد هذا، هو أجمل ذريعة لتجديد المحبة والاعتذار، فأنتم — من بين كل الأسماء في قائمتي — الأجمل أثرًا، والأبقى حضورًا في الذاكرة والوجدان.
فلنحتفِ اليوم بـ يوم البريد العالمي، ولنستذكر ذلك العهد الجميل الذي كانت فيه الرسائل تحمل ختمها بلون القلب.
ولنكتب رسالة قصيرة إلى من نحب، تذكّرنا أن الكلمات ما زالت تملك تلك المعجزة: القدرة على السفر عبر الأزمنة والأمكنة.
ما أروع أن ندرك أن أجمل الرسائل هي التي تمشي بخطى الحنين نحو القلوب…
لقد تغيّرت الوسائل، لكنّ الرسائل ستظلّ دوماً تحمل السر الإلهي نفسه:
أن يقول الإنسانُ للآخر — أنت في وجداني وذاكرتي.
أحمد الفاضل
مع خالص التحيةلروح الماضي الجميل
ولقلوبكم التي تبعث الجمال