في ذكرى رحيل ابو بكر سالم (مبتكر وحدة قياس التنهيدة)

2021-12-16 - مجلة اليمامة

في العاشر من كانون الأول (ديسمبر)2017‬
حضَر موت أبوبكر سالم. رحل في اليوم العالمي لحقوق الإنسان. تركنا في اليوم الذي توزع فيه جوائز نوبل. غادرنا في اليوم نفسه الذي رحل فيه ابن رشد وابن سينا. كان الراحل يدخل دنيا أغنيته، يخوض الحوارات والعتب والبشائر بينه وبينها، يتفحص مشاعرنا بكل طبقات صوته. يَصرف الدواء بحسب درجة حرارة القلب. يحشد صوته كما لو أنه الغناء الأخير، نافورة من المشاعر التي يعيش صراعه الخاص معها!
من يحكم الآخر؟
تتطاير التعابير من جسده وتفلت التنهيدات من صدره بين كل مقطع مخضب بالأسى ومقطع يميل إلى التفاؤل.
يعيد الغناء مرتين بطرق مختلفة، كأنه يَشرح ويُشرح المقصود، لكي ترى اللحن رأي العين. ويتحول جمهور لا ينتهي إلى شهود عيان على قصيدة ولحن ونجوى!
يرسل كلمة بيده هناك وكلمة هنا كأنما يرسم القصيدة على الجمهور. يعيش ظروف القصيدة كل مرة في شكل مختلف. يصعد عالياً كطائر ولا يعود إلى قفصه إلا إذا أصبح وجهه لامعاً كالبرق، واختلط دمعه الحار بعرق الاداء والغناء.
كثيراً ما ينسى الكاميرات والجماهير وفرقته فيغيب نشوانَ في لجة اللحن، وقرار الذكريات التي قد تضطره إلى تغيير مسيرة الجملة الموسيقية..
إذ حكمت عليه مشاعره أحياناً بأن يخفض جناح الذل لها.. وأحياناً يثور مبتهجاَ بعينيه حافلاَ بالبشر والصبر.
يغني بنَفس، ليطرب ويسلي روحه. يجرب لوعته، يتذوق نغمه أولاً، إن كان الطعم كما يحب وزعه.. كالأمهات حين يطعمن صغارهن. هو من زرع العنب وحصده وعصره ونحن سكرنا به، هو طمأنة من نثق بهم، وشوكة الحنين التي تستعبد الذاكرة، هو نبرة الوله الطاهر، ونغم الشعور العميق، هو الفضاء الشجني المفتوح على كل التحولات، باستثناء اليأس!
هو إذاعة حضرموت الأولى. هو الحافظ لكتاب الله، الشاعر المُرهف، خريج حلقات الفقه والِذكر، الطفل منشد الموشحات. قبل أن يغني العاطفي باسم مستعار، ربما لأسباب كما يقول: «إن الفن كان ممقوتاً.. ولأنه من أسرة متدينة ولا يليق بابن هذه الأسرة أن يغني، وعندما تغيرت نظرة المجتمع إلى الغناء غنيت الغزل». كان هو النسخة الأصدق للعسل اليماني، نستطعمه ويزيد ولا ينقص. كان القرار في صوته يشبه قفير النحل في أقصى عطائه. وجوابه نهر عسل على جراحنا كالبلسم. كان يبتكر سياق الجملة الموسيقية كالوصية، ويؤمن بأن الحب بلا مقابل، كأية سيرة أولى لأي شيء. على مدى نصف قرن وهذا الملتاع يحترق كالبخور على مجمر الشجن. كانت له طريقة في شرح الحب تجعل العذال محبين. رحل وتركنا نفتش عن شهقة تثبت حال الوجد، عن غصة سريعة كالذكرى، وعن تأوهات حائرة هي نفسها لا تعرف. عن نبرة تمتد لتصل بين آلتين. عن لحن يفاجئك بألفته، وعن القصص المتروكة نهايتها، عن الصوت الذي يبث شكواه كأنه يدفع عنا الأذى. عن وحشية العاطفة التي يقلبها على جمر نبرته. عن فنان يمرض داخل الأغنية ويتعافى. إرثنا الذي نتشاركه جميعاً ونحفل به، أغانيه لا تشبه إلا الصدقات الجارية، وعلى قلوبنا أن تكبر قليلاً لتساير كل هذا الصفاء الإنساني الرقيق. وإذا قلنا إن نزار قباني قال يوماً إنه يبحث عن الحرف الـ٢٩، فإننا نقول عن أبوبكر: هو من ابتكر وحدة قياس «التنهيدة»، حياة كاملة من الكلمات، ومخزن لا ينتهي من الصور الشعرية، خرج على هيئة نَفَس مموسق لأكثر من نصف قرن..