2020-1-19 - صحيفة العربية
خلال حفلة باربكيو في باحة خلفية بنيويورك، تنظر إلى قطعة من الستيك البقري، مصغياً إلى هسيس شحمها على النار، فيسيل لعابك. وقبل أول قضمة، يأتيك، كما في منام، أن الأبقار لم تكن موجودة في القارة الجديدة قبل أكثر من 500 سنة.
وفي القارة القديمة، بينما تتذوّق طبقاً حرّيفاً لذيذاً في أحد مطاعم نيودلهي، وتتصبّب عرقاً بسبب الفلفل الحار، وتستمتع بلفح الهواء البارد من مروحة في السقف. وأنت في حضرة هذه النعمة، ألن يعكّر مزاجك الطيّب أن الفلفل – الذي يشتهر به المطبخ الهندي – أتى من… أميركا؟!
وبعد غداء فاخر من لحم الديك الرومي مع البطاطس المهروسة، لا بد للأوروبي من “تنفيخ” لفافة تبغ ليهدّئ من تخمته، على ذمة المدخّنين. ولكنه لو استطاع الرجوع إلى سنة 1492 قبيل اكتشاف أميركا، لما كان عرف أياً من تلك الملذات.
تحاول أن تنفض عنك تلك المعلومات الطارئة والعودة إلى نهمك، لكنها تلحّ وتلحّ حتى تتيقّن من أنها الحقيقة. وكمفسِدة للمتع، تسيطر على عقلك وتتركك تتساءل عما كان يأكله الأجداد في أميركا، وعمّا كان يُستخدم مكان الفلفل في الهند، وعمّا كان يفعل المدخّنون لكي “يدخنوا عليها لتنجلي”؟
بفضل ما يُعرف بـ “التبادل الكولومبي”، وصل إلى العالمين القديم والجديد مزروعات ونباتات وحيوانات وطيور… انتزعت، على مرّ السنين، أصالتها من حيث أتت وأصبحت تُنسب إلى حيث بلغت. ولكن ذلك التبادل العظيم الذي غيّر العالم، لم يحصل من دون قتل ودمار وإبادات تارة بالحروب وطوراً بالأوبئة.
أوبئة، كمرض الجدري الذي حمله الأوروبيون إلى أميركا، حصدت ما بين 50 في المئة و90 في المئة من السكان الأصليين، بحسب مصادر مختلفة.
فما هو “التبادل الكولومبي”؟ التعبير منسوب إلى كريستوفر كولومبوس بعد وصوله، في 1492، إلى قارة اعتقدها أنها شبه الجزيرة الهندية. ثم جاء أميريغو فسبوتشي، في 1507، وقوّم اعتقاد كولومبوس وأثبت أن القارة جديدة وأطلق عليها اسمه.
وجد الأوروبيون في أميركا ثروات تفتقر إليها القارات القديمة، آسيا وأوروبا وأفريقيا، وظروفاً مواتية للإفادة منها في مواطنهم، من جهة. ومن جهة أخرى، افتقر الأوروبيون الواصلون إلى أميركا، خصوصاً بعد استقرارهم في الأرض وسيطرتهم عليها وعلى السكان الأصليين، افتقروا إلى أساليب عيشهم وأنماط إنتاجهم، للمضي بحياتهم كما عهدوها.
فاستقدموا من مواطنهم الأصلية كل حاجاتهم التي لم تكن متوفرة في مواطن العالم الجديدة: المواشي على أنواعها والخيول، والحبوب والنحل وقصب السكر والحمضيات والزيتون والبصل والموز(اي ان ، فضلاً عن الأمراض، كالجدري والإنفلوانزا والمالاريا وغير ذلك، من دون الإغفال عن موجات اقتلاع الأفارقة من قارتهم واستخدامهم عبيداً هناك.
وفي المقابل، نقلوا إلى العالم القديم البطاطس والذرة والطماطم والفستق والكاكاو والديك الرومي والفانيلا والفلفل والفاصولياء… وأشياء كثيرة أخرى.
في البدايات، حدث أن الأوروبيين ارتابوا من الأغذية التي استُقدمت موادها من أميركا. فثمة ما كان يعتقد أن الطماطم لا تصلح للأكل، بتحذير من سلطات رسمية في ألمانيا. وفي 1619، حظر السلطات الفرنسية استهلاك البطاطس، لأنها “تتسبب بالبرص”. وخلال مجاعة 1774 ببروسيا، رفض المزارعون الجائعون استهلاكها (البطاطس)، قبل أن تصبح طعام الفقير ومالئة البطون.
لم تدم هذه الحال من التبادل المرتجل طويلاً، فقد أجبرت “المتبادلين” على وضع أسس ومناهج لتنظيم ذلك التبادل خارجياً وداخلياً أيضاً.
وعلى سبيل المثال، باع الهولنديون جزيرة مانهاتن للبريطانيين بسبب نبتة “جوزة الطيب” التي كانت في جزيرة رون الاندنوسية وتحول اسمها من نيو امستردام الى نيو يورك بأسم الدوق الإنكليزي آنذاك! ثم راج هذا النوع من التعامل في الداخل سامحاً لـ “الغزاة” بالسيطرة على مقدّرات وثروات وتقاسهما في ما بينهم، كل بحسب حاجته إليها في تطوير إنتاجه وتحسين تجارته.
وأما خارجياً، فقد مهّد “التبادل الكولومبي” لنشوء ما يُعرف بالتجارة العالمية وفتح الأسواق، بفضل الثروات الجديدة والنمو الكبير للتجارة العابرة للمحيطات. وهكذا، أبصر النور النظام الرأسمالي وتحددت ملامحه، النظام الاقتصادي الذي يقوم على الملكية الخاصة واستغلال الموارد واستثمار الأموال، توخّياً للربح.
كذلك، ظهرت الشركات المساهِمة، وهي، كالمؤسسات العصرية، تقوم على مستثمرين يقتنون أسهماً في شركة، حيث تتجمّع ثروات عدد من الأشخاص من أجل تحقيق مصلحة مشتركة. وبزغ انذاك مفهوم الدولة الوطنية الاوربية.
وازداد التبادل التجاري (الميركانتيلية) المنظّم رسوخاً، ما أتاح للدول على التنافس للسيطرة على الثروات والموارد، لكي تزداد قوة وتبني جيوشاً وأساطيل بحرية لتحقيق مزيد من السيطرة. وفرض التبادل التجاري ما يُعرف بـ “الميزان التجاري” للدول التي يكون هدفها الأخير أن تنعم بالاكتفاء الذاتي وتكف على التعويل على سلع دولة أخرى ومواردها.
في ما مضى، كانت مدينة البندقية، مثلاً، تحتكر تجارة التوابل مع الشرق الأوسط. وكانت السيطرة على الطرق والتحكم في تجارة البهارات هي الدافع الرئيسي وراء رحلة البحار البرتغالي الشهير فاسكو دا غاما إلى الهند سنة 1499 م، حيث لم تكن إسبانيا والبرتغال راضيتين عن السعر المرتفع الذي كانت تفرضها البندقية.
تغيّر كل ذلك مع عودة كولومبوس من العالم الجديد ووصفه لأنواع التوابل الجديدة التي وجدها هناك. التبادل الكولومبي أحدث ثورة اقتصادية كبرى مهّدت تأثيراتها لولادة عالمنا الحالي؛ فهل نحن راضون عنه؟
وكل ذلك كان يسير بحسب القوة العسكرية ولكن مع دخولنا القرن الجديد يدخل العالم عصراً مختلفاً تسوده مفاهيم أبعد من مغامرات المستكشفين وحجم الاساطيل!
حلت المفاهيم التقنية محل المصطلحات العسكرية. وبدل ان ترسل السفن محملة بالبحارة والاخطار. يكفيك ان ترسل طالباً نجيباً ينقل لك المعرفة كما كانت الشركات اليابانية تفعل حين تطلب تقاريراً عن ضرورات العائلات الامريكية وحاجاتها من المبتعثين لكي يطوروا من منتاجاتهم اليابانية في السوق الامريكية.
اصبحت القوة بيد الافكار ومستقبل الشركات مرهون بالاسرار، فشركة كوكاكولا تحافظ على وصفة مشروباتها بحفظها في البنوك الامريكية ولا يسمح لاحد بالاطلاع عليها الا لشخص او شخصين غير معروفين وتحت تدابير مشددة.
وصل بها الحال يوماً انها سحبت استثماراتها من الهند لحماية الوصفة السرية لمشروبها رغم ان هناك نصف مليار هندي يشربون الكوكاكولا انذاك. فليس هناك اغلى من الاسرار!
قوقل استحوذت على موتورولا في عام 2012 بمبلغ 12.5 مليار حتى تستفيد من محفظة براءات الإختراع البالغة 17 الف براءة. وباعتها بعد ذلك على شركة لينوفو بمبلغ 2.91 مليار دولار.
قبل 30 عام كانت اكبر 500 شركة امريكية قيمتها 85% ملموسة و15% غير ملموسة واليوم انعكست المعادلة %86 غير ملموسة و%14 ملموسة.
وبحسب (الويبو) مقدار الدخل الذي يحققه العمل ورأس المال الملموس ورأس المال غير الملموس في سلسلة القيمة العالمية في جميع أنشطة التصنيع، وهو ما يبلغ ربع إجمالي الاقتصاد العالمي، مع دراسات حالة تركز على القهوة والألواح الشمسية والهواتف الذكية، وعلى سبيل المثال والامثلة كثيرة كوب القهوه الذي تشربه صباحاً وقيمته 20 ريال فأن 10 ريالات منه للقيمة الغير ملموسة.
وسيحدد رأس المال غير الملموس كما هو (ملموس) بشكل مطرد مستقبل الشركات وثرواتها في القيمة العالمية اليوم.