2019-7-8
كنت أقصد بهذا المقال “الترحيب” بالفنان محمد عبده الذي سيحيي حفلاً بعد ايام في ديرتي [الباحة] ودون أن أشعر تحول المقال الى (اعتراف)!
اراد ان يكون مهندساً للسفن، وفي لحظة تحول المركب الشراعي بين يديه الى “ألة عود” والمجداف الى “ريشة” .
بدأ رحلته انساناً وفناناً في التاسعة من عمره واعتمد رسمياً كمغن في الثالثة عشرة، ولما كان ميدان الفن في العالم العربي وربما في العالم كله يتطلب استعداداً لمعارك متنوعة، فقد اعتمد منذ البدايات سلاحاً وحيداً هو الشغف.
في لقاء قديم سأله المذيع: من محمد عبده؟ أجاب آنذاك: انا الفلتة!
ضحك كثيرون من هذا “الغرور غير المبرر”، وكان النقاد يتعقبونه في الصادرة والواردة الى ان اصبحوا في الصف الاول من جمهوره.
اعتبر الغناء قضيته الاساسية، ودافع عنه دفاع الابطال، إذ مورس ضده مالايطيق اي انسان راغب بنشر البهجة، وصل الأمر الى حد اقفال المسجد الذي بناه، حتى انه لم يمش في جنازة والدته خوفاً من يتفرق حملة النعش ان عرفوا ان ابنها هو المغني
لكنه هو من جعل للفن صفة رسمية في بلادنا،وكان يحارب على جبهتين، وعي المجتمع والمنافسين، الجبهة الأولى اصبحت جمهوره والثانية تلاميذه.
كانت الاغاني تمشي “خجولة” في ازقة الأحياء المغمورة، فجعلها تشعل احتفالات القصور والمنابر الرسمية.
شبه وحيد في يحارب في زمن تحريم الطيبات، كأنه يبشرنا بجمال هويتنا قبل ان نعرف بأن الظلام جولة والجمال دولة.
هو الذي جعل اللهجة السعودية قريبة وحبيبة لقلوب العرب، ومن جعل كلماتنا المتوارية موضة الراغبين في النجومية، يفتش عن القصائد في كل اتجاهات الجزيرة ويصاهرها بألحان نفيسة كانت منسية، ثم يغنيها كل مرة بروح أكثر تجدداً، وفي كل مرة يضيء فيها حِساً لم نشعر به من قبل.
منذ البدء عرف انه لا ينافس أحداً الى ان تكرس اسمه معيار اً للمقارنات الاشهر في سباق الفن!
ماذا يعني ان تكون مغني الجزيرة العربية؟
كيف تجعل من الاغنية هواء يتقاسمه الناس، مؤمناً بجمالية المغنى وجدواه، حاملاً المعاني الثقيلة واللغة الممتدة من الأف السنين وملايين الكيلومترات؟
كأنه حارس العلاقة بين هذه الارض بالذات والموسيقى، وصوت الذاكرة الجماعية للناس هنا، مسهلاً التعبير عن افراحهم الصعبة.
في وقت كان فيه مجتمعنا في طور التشكل. ارسى معادلة هي الاصعب بين ماهو اسهل واغلى وبين اجتهاد ملموس في التعدد الجمالي.
هو المندوب السامي لهويتنا في الخارج، فأغانيه تسد فراغ الاعلام والاحلام.
كان فنه المنهج التعليمي المشترك لكل ابناء الجزيرة من دون ان تعتمده المدارس.
اعطى محمد عبده للشعراء تذكرة الدرجة الاولى للشهرة، وأهدى الفنانين من بعده بوليصة الامان.
يسأله احدهم: لماذا لم تتصور مع ام كلثوم وحليم وفيروز كغيرك؟
يجيب: انا كنت أمثل الوطن ولم أحب ان اظهر صغيراً حينها بجوارهم!
خمسون عاماً وهو يعيد الدرس على الفنانيين من بعده: الاغنية هي قصيدة ولحن واداء
مبتكر نظرية التلاحم التلقائي بين قصيدة من منطقة ولحن لها من منطقة اخرى، وبذلك اعاد اكتشاف مسيرة الترحال في الجزيرة الواحدة.
بثوبه وشماغه يقف على المسارح اليوم كألاب!
هو الذي يطوف السعودية ومعه لكل مدينة اغنية ولكل محافظة لحن ولكل قرية قصيدة، حافظاً جغرافيا الشجن وتاريخه.
من حقنا ان نكرم انفسنا به اليوم، فلطالما كان ولايزال الحدث الابرز في مناسباتنا واحتفالاتنا..