ذلك المشهد الذي يجمع مدعياً عاماً مندفعاً، ومحامي دفاع متحمّساً، ومتّهماً ملتبساً، وشهوداً متربّصين، حظي بمعالجات وفيرة -منها بات ممجوجاً- في الآداب والفنون، وعبر خشبة المسرح، وعبر الشاشات الكبيرة والصغيرة.
وأشير كثيراً إلى أحداث مماثلة بأنها تشكّل محاكمة القرن!
ولكن، أي محاكمة منها تسرق الأضواء بالفعل؟
الجواب تقدمه موسوعة بريتانيكا وتصنّف فيه 10 محاكمات مهمة أو فاضحة أو مثيرة في التاريخ.
الفيلسوف سقراط
معروف أن الفيلسوف الإغريقي سقراط (470 – 399 ق.م.) حُكم عليه بتجرّع السم فمات. وجاء هذا الحكم نتيجة لإزعاجه ديمقراطية أثينا واتهامه بإفساده الأجيال الشابة بأفكاره المختلفة.
من الناحية القضائية، كان لافتاً بعض الممارسات والإجراءات القانونية التي أدّت إلى إقامة محاكمة شخص في هذا المقام.
في تلك الحقبة من التاريخ، كان من حق أي مواطن في أثينا رفع دعوى جنائية. وفي حالة سقراط، بدأت إجراءات محاكمته عندما ألقى الشاعر ميليتوس استدعاءً شفهيًا لسقراط، بحضور شهود، للمثول أمام القاضي في مبنى الرواق الملكي، لكي يردّ على الاتهامات. وبعد الاستماع إلى سقراط وميليتوس، أجاز القاضي قيام الدعوى بموجب القانون الأثيني، وحدد موعدًا لـ جلسة الاستماع الأولية، وعلق تبليغاً عاماً عند مداخل الرواق.
بدأت الجلسة بقراءة الاتهامات كما دوّنها ميليتوس وردّ عليها سقراط. ثم استجوب القاضي كلاهما ومن ثم أعطى كل من المدّعي والمتّهم فرصة لاستجواب بعضهما بعضاً. وعندما وجد القاضي حججاً كافية للاتهامات الموجهة إلى سقراط، عمد إلى توجيهها رسمياً إلى هذا الأخير.
قضية غاليليو
بدأت محاكمة غاليليو غاليلي في العام 1610، وبلغت ذروتها بمحاكمته وإدانته أمام محاكم التفتيش الرومانية الكاثوليكية في العام 1633.
وكان اضطَهد بسبب دعمه لمركزية الشمس، وهو النموذج الفلكي الذي تدور فيه الأرض والكواكب حول الشمس في مركز الكون. في البداية، كانت القضية معقدة لأن الحَبْر أوربان الثامن كان منذ زمن راعيًا لغاليليو وسمح له بأن ينشر نظرته الموافقة لنظرية كوبرنيكوس طالما بقي يتعامل معها كفرضية. ولكن بعد النشر، في العام 1632، انقطعت الرعاية لأسباب كثيرة. وفي العام نفسه، نشر غاليليو حوارية حول النظامين الكونين الرئيسيين، ودافع فيه عن مركزية الشمس، وحظي بشعبية واسعة. لكنْ، ردًا على الجدل المتصاعد حول اللاهوت وعلم الفلك والفلسفة، حاكمته محاكم التفتيش، ووجدته مشتبهًا بشدة بالهرطقة، و حكمت عليه بالإقامة الجبرية وما برح منزله حتى وفاته في العام 1642.
عند العرب، توصل العالِم ابن الشاطر (1304 – 1375م) إلى مركزية الأرض ودورانها حول الشمس. ومن قبله الإغريق ومن بعده علماء أوروبيون مجايلون لغاليليو كانوا توصلوا إلى النتيجة نفسها. فلماذا تعقّدت الأمور في وجه غاليليو؟ لعلّ الجواب هو التسلّط والتصلّب حيال العلوم، وهو ما يمكن استخلاصه من فقرة ضمن رسالته إلى زميله الألماني يوهانس كيبلر، يقول له فيها:
“ماذا تقول لكبار فلاسفة الكلية هنا، الذين طلبتُ منهم طواعية الاطّلاع على دراستي. ولكنهم، وبسبب عنادهم الشديد، لم يوافقوا أبدًا النظر إلى الكواكب ولا القمر ولا حتى النظر عبر التلسكوب؟”
محاكمات أو جيه سيمبسون
“للتذكير فقط: غير المذنب ليس بريئاً”
كانت “محاكمة سيمبسون” محاكمة جنائية استثنائية جرت في 1995، وتورط فيها نجم كرة قدم سابق في اتحاد كرة القدم الأميركي هو أو جيه سيمبسون، الذي اتُهم بقتل زوجته السابقة نيكول براون وصديقها رونالد غولدمان. واستمرت المحاكمة حوالى 9 أشهر وشكّلت ظاهرة ثقافية، وجذبت اهتمام وسائل الإعلام على أوسع نطاق، إذ بدأت بمطاردة شيّقة بالسيارات للمتّهم نقلتها محطات التلفزة مباشرة.
دفع الادعاء بأن سيمبسون ارتكب جريمتي القتل في نوبة من الغيرة وفورة من الغضب، بينما أكد الدفاع أن في اتهامه برزت مشكلات في جمع الأدلة، منها ما أثار الالتباس كالقفازات التي أرغم سيمبسون على ارتدائها تلبية للادعاء الذي زعم أن القاتل كان يرتديها.
وفي النهاية، أُخليَ سبيل سيمبسون بعد أن وجدت المحكمة أنه “غير مذنب” في 3 أكتوبر 1995. وأثار الحكم جدلاً واسعاً وحاداً وسجالات حول التمييز العرقي والمشاهير والنظام القضائي في الولايات المتحدة.
لكن، على الرغم من قرار المحكمةالجنائية، أُدين سيمبسون في 1997 عن مسؤوليته عن الوفيات من قبل هيئة محلفين مدنية وغُرّم بدفع 33.5 مليون دولار كتعويض لعائلتي براون وغولدمان.
تظل هذه المحاكمة إحدى أكثر القضايا الجنائية إثارة للجدل في التاريخ الأميركي.
كأن هذا الرجل قدره السجن!
في 2007 أقتحم سيمبسون مع مسلّحَين أحد ملاهي لاس فيغاس في محاولة منه لاسترجاع تذكارات معروضة هناك، زعم أنها خاصته. فاعتقل وحُكم بالسجن مدة 33 عاماً ولم يُخلَ سبيله حتى 2013.
قضية الحاكم غايوس فيرّيس
اتُهم غايوس فيريس، حاكم صقلية بين 73 و71 ق.م. بالفساد والابتزاز والرشوة والسرقة وسوء معاملة المواطنين الصقليين، واستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية وتجاهل رفاهية المقاطعة التي يحكمها.
فتراكمت الشكاوى ضدّه منذ ما قبل أن يشغل هذا المنصب. ثم جاء ماركوس توليوس تشيتشيرو، وهو رجل دولة ومحامٍ وخطيب روماني بارز، وألقى سلسلة من الخطب المعروفة باسم “خطب فيرين” كشف فيها جرائم فيريس المزعومة، فاستحق منصب المدعي العام في تلك المحاكمة التي جرت في العام 70 ق.م.
جمع الأدلّة
(نلفت في هذا المحتوى إلى إجراءات جمع الأدلة في بلاد واسعة التي نفّذها تشيتشيرو بنفسه وعلى نفقته الخاصة، حين لم يكن هناك وسائل نقل واتصالات سريعة)
بعد تعيينه، مُنح تشيتشيرو 110 أيام لجمع الأدلة وإعداد الاتهامات. فذهب بنفسه إلى صقلية لاستجواب الشهود وجمع الحقائق الداعمة، ورافقه ابن عمه لوسيوس كمساعد. وخلافًا لجميع السوابق، تحمل نفقاته الخاصة، وأعفى الجزيرة من أي رسوم بدل عمله.
وفي العاصمة سيراكيوز، حاول كبير القضاة ميتيلوس عرقلة التحقيقات، إلاّ أن القضاة الآخرين استقبلوا تشيتشيرو بكل احترام. وكشفوا له كل ما فعلوه سابقاً لصالح فيريس، بما في ذلك إقامة تمثاله المذهّب، كشهادة لحسن سلوكه، وذلك إثر ابتزازهم بالمكائد والترهيب. ثم سلموا تشيتشيرو روايات حقيقية عن الإصابات التي مُنيت بها مدينتهم جرًاء ارتكابات فيريس.
وعندما أنهى تحقيقاته، عاد إلى روما بحراً خوفاً من احتمال تعرضه لمكائد فيريس. وهناك واجهته سلسلة مؤامرات يقودها كوينتوس هورتنسيوس محامي فيريس، لإطالة أمد تحضير جمع الإدلّة، وتعيين أشخاص فاسدين لخنق المحاكمة. لكن تشيتشيرو المصمم على إجراء المحاكمة، تخلى عن مرحلة المرافعة الطويلة خَطابةً، مانحاً الوقت الذي بدأ ينفد لتثبيت لائحة الاتهامات. وقرر الاعتماد فقط على الشهادات التي يدلي بها الشهود على المنصّة. فأرسى بذلك طريقة جديدة في إدارة القضايا القانونية.
وبالنتيجة كانت الأدلة دامغة أربكت هورتنسيوس فلم يجد ما يقوله دفاعاً عن موكله الذي أصيب باليأس والإحباط وقرر الذهاب طوعاً إلى المنفى.
تأثير المحكمة العليا الأميركية
في 2007، استمعت المحكمة العليا الأميركية إلى 78 قضية تتعلق بدعاوى مختلفة تشمل الإرهاب وحقوق المياه والأسلحة النارية والهجرة. وباعتبارها أعلى مرجع عدلي وقضائي في البلاد، تُعَدّ قراراتها نهائية في قضايا حساسة يمكن أن تغير القانون وتؤثر على المجتمع لأجيال قادمة. فعلى سبيل المثال الدعوى الشهيرة التي رفعها أوليفر براون، في 1951، ضد مجلس التعليم في مدينة توبيكا، بولاية كانساس، إثر منع الإدارة ابنته ليندا من دخول مدرسة للبيض فقط. صدر الحكم الصادر في 1954 ليلغيَ المفهوم الذي يشرّع التفرقة العرقية ويكرّسها، شرط المساواة في المعاملة، وليعلنً أن المدارس العامة التي تمارس الفصل العنصري باتت غير دستورية. وساهم هذا القرار في إشعال شرارة حركة الحقوق المدنية التي غيرت مسار التاريخ الأميركي.
محامٍ يدين موكّله بهدف تعديل الدستور!
في 1925، في دايتون بولاية تينيسي، توجّه الأستاذ الثانوي جون سكوبس إلى المحكمة بتهمة تدريس نظرية التطور لطلابه. وكان دستور الولاية حظر هذا الموضوع في المنهج التربوي. لكنْ في الحقيقة، كان الغرض من القضية مناقشة دور المحكمة في حظر تلك النظرية ومعالجة الجدل الدائر حوله. فكان سكوبس مجرّد بيدق.
ترأس فريق الادعاء ويليام جينينغز بريان، وهو مرشح رئاسي سابق ومعارض قوي لنظرية التطور. وكان كلارنس دارو، محامي سكوبس، يريد إثبات أن الحظر الذي فرضته الدولة غير دستوري.
براعة المحاميين برايان ودارو اجتذبت الآلاف إلى جلسات الاستماع. وفيها كان دور الشهادات والدفوع والمرافعات تثقيل صحة نظرية داروين قياسًا على ما ورد في الإنجيل.
أخيراً، طالب دارو محامي سكوبس وبموافقة الأخير، أن تجد هيئة المحلفين موكّله مذنباً كي تستمر القضية في المحكمة العليا للولاية، حيث يمكن إلغاء الحظر الدستوري. استجابت هيئة المحلفين لطلب دارو، إلّا أن المحكمة العليا ردّت القضية. ففشلت مساعي سكوبس ودارو.
القضية التي مهّدت لصعود ريتشارد نيكسون
أطلقت قضية ألجير هيس الذي حنث باليمين أمام المحكمة، مسيرة عضو الكونغرس آنذاك ريتشارد نيكسون، رئيس لجنة الأنشطة غير الأميركية بمجلس النواب التي كانت تحقق بتسرّب الشيوعيين المحتمل إلى داخل الحكومة والإدارة.
وكان هيس موظفاً في وزارة الخارجية حين اتهمه الشيوعي السابق ويتاكر تشامبرز بأنه عميل سوفياتي. وفي 5 أغسطس 1948، نفى هيس بشدة التهمة أمام لجنة الأنشطة تلك. فرفع الأخير دعوى تشهير ضد تشامبرز، وفيها قدم تشامبرز حزمة من الملاحظات المكتوبة بخط اليد زاعماً أنها من هيس، ثم دعمها بشرائط مصوّرة لوثائق رسمية زاعماً أيضاً أن هيس حاز عليها. واشتهرت باسم “أوراق اليقطين” لأن تشامبرز احتفظ بها في قرع مجوف. وعليه، اتُهِم هيس بالحنث باليمين، أو الكذب على المحكمة وهو تحت القسم.
لاحقًا، اعترف هيس بكتابة تلك الملاحظات بخط يده، غير أن مصدر الأشرطة والرسائل المطبوعة بالآلة الكاتبة ظلت مثيرة للجدل. لم تتمكن هيئة المحلفين من التوصل إلى حكم، فرفع تشامبرز قضية ثانية وجدت أن هيس مذنب وحكمت عليه المحكمة بالسجن خمس سنوات.
إلاّ أن هيس بقي مصراً على براءته حتى وفاته. أما نيكسون فكان عضواً فاعلاً في تلك اللجنة وظل يدرس ملفات مكتب التحقيقات الفدرالي طوال 5 أشهر، فبنى مستقبله السياسي على تعقّب هيس لإثبات تورّطه مع “جماعة شيوعيي الصفقة الجديدة” المزعومة.
اغتيال جون كينيدي: تحقيقات مستمرة وقرائن جديدة
لا شك أن المحاكمات والتحقيقات المحيطة باغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي في مدينة دالاس بولاية تكساس في 1963، لا تزال الأكثر إثارة للجدل في التاريخ الأميركي.
وتشير الوقائع الثابتة حتى وقت قريب، إلى أن السرطان قتل جاك روبي الذي قتل لي هارفي أوزوالد الذي قتل كينيدي. لكنّ قرائن جديدة، نشرها موقع أتلانتا نيوز فيرست في نوفمبر 2023، جاءت بتحليلات أجريت بواسطة برنامج حاسوبي متطوّر، تدحض فرضية مسار الرصاصة القاتلة التي ارتكزت عليها التحقيقات آنذاك وساهمت في حسم النتائج.
أطلِقت 3 رصاصات على الرئيس. قُبض على أوزوالد بتهمة الاغتيال، إثر اكتشاف بندقية مخبأة بين صندوقين عليها بصمات المتّهم، فضلاً عن خراطيش فارغة في مستودع للكتب. بعد يومين، أطلق جاك روبي النار على أوزوالد وقتله.
في 14 مارس 1964، حُكم على روبي بالإعدام بتهمة قتل أوزوالد. لكن المحكمة العليا ألغت الحكم على أساس أن تداول القضية على نطاق واسع أعاق حق روبي في محاكمة عادلة. لكنه توفي بالسرطان في 1967، قبل أن يُحاكَم من جديد.
ورغم أن عدد المتّهمين وفقَ سيناريوهات مختلفة، طوال سير القضية، بلغ حوالى 42 مجموعة و82 قاتلاً و214 شخصاً، لم يأتِ عمل لجنة وارن واللجنة النيابية المكلفة بالتحقيق في الاغتيال، بأي استنتاج حاسم حول الأسباب والأشخاص الذين يقفون وراءه. واشتُبه بأن تصرّف أوزوالد هو فصلٌ من مؤامرة، وعلاقته بروبي بقيت موضع شك.
نظريات المؤامرة
أثار اغتيال الرئيس جون كينيدي نظريات مؤامرة كثيرة. وتزعم تورط: وكالة المخابرات المركزية، أو المافيا، أو نائب الرئيس ليندون جونسون، أو الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، أو الاستخبارات السوفييتية، أو خليط من هؤلاء الأفراد والكيانات.
النائب الفرنسي جان جوريس
قَتَل نائباً فرنسياً لمحاولته منع الحرب العالمية الأولى واحتُجز احتياطياً حتى انتهت ثم أخلي سبيله
اغتيل جان جوريس، النائب الفرنسي الاشتراكي، ليل الجمعة 31 يوليو 1914، بينما كان يتناول طعامه في أحد مطاعم باريس مع بعض زملائه، على مقربة من مقر جريدته لومانيتيه.
ارتُكبت الجريمة قبل ثلاثة أيام من دخول فرنسا في الحرب العالمية الأولى، واضعةً حداً للجهود اليائسة التي بذلها جوريس لمنع الانفجار العسكري في أوروبا بعد اغتيال ولي عهد النمسا في سراييفو.
وبعد أن كاد الاغتيال يثير الانقسامات بين مختلف الأحزاب الفرنسية، عادت الأطراف السياسية ودخلت في الحرب. اعتُقل الجاني راؤول فيلان في انتظار محاكمته طوال الحرب العالمية الأولى. وبعد ستة وخمسين شهراً من الحجز الاحتياطي، انتهت الحرب. وجرت محاكمته أمام محكمة الجنايات في منطقة السين.
كان فيلان محظوظاً لأنه لم يحاكَم إلا في عام 1919، بناءً على طلبه، في مناخ من الشعور الوطني العميم. وخلال جلسات الاستماع، سلط محاموه الضوء على إصابته بالخرف. وتمت تبرئته بأغلبية 11 صوتاً من أصل 12 يوم 29 مارس 1919. وأمرت المحكمة أرملة جوريس بدفع تكاليف المحاكمة.