صُنع بسحرك!

لكل مقال (مقام)

درجت العادة على أن نقول “لكل مقام مقال” ولكن هذه المرة على غير المعتاد سيكون المقال عن المقام، فبعد الأستماع وتأمل هذا المقطع الآسر؛ يسرني كثيراً أن أتحدث من الزاوية الجمالية عن (المقام) وعن التلاوة وظروفها وأجوائها، في حدود ما أعرف والله أعلم.

يُجدر بنا القول أن مقام القراءة -على العكس وليس الاختلاف مع المغنى- هو الأحوال الوجدانية التي ترتقي بالاداء والتعبير عن الأيات من خلال الصنعة النغمية، حيث أن المغنى هو الصنعة النغمية للكلام، يشترك في قواعدها القارئ والمغني والمنشد ولكنهم يختلفون في أسمائها وتفضيلاتها وتفصيلاتها أحياناً.
تطلب من الشيوخ والقُراء أهل التجويد والتلاوة أن يكون لهم قاموس خاص يحفظ المصطلحات العملية والتعريفات الخاصة لشرح الصوت بما يليق بالنص القرآني ويميزه. حيث أن النص القرآني يمتاز بالاقترانات والانتقالات التي تحتاج لتمرينات كثيرة وشاقة لتحقيق ارتباطاتها، ووعي وأتساع لتحقيق سلاسة الانتقال من مقطع إلى مقطع، وتبيين مواضع الوقف والوصل، حيث أن مقام التلاوة يقدم عملياً وعلمياً ما لا يقدمه الغناء من حيث الدقة والجودة لملاصقته للكلمة وأحتوائه للآية. فقل ماتسمع اليوم في مجال الغناء خارج المدارس القديمة في مصر والشام -والتي تأثرت كثيراً بمدارس التجويد- عن التحبير والترقيق والترخيم والتنعيم والتفخيم والتسهيل والاذلاق والصفير والإمالة والتفشي والغنة والإشمام… الخ.

في القراءات تتوظف المقامات بحسب المعنى، ذلك لأن لكل مقام شخصيته ومناسبته وتأثيره!
فمقام الرست ابو المقامات أمتاز بالفخامة والاستقامة وهو اللائق لأيات التبجيل والتعظيم لله عز وجل
البيات جالب القلب مقام للخشوع والتدبر تبدأ به القراءة وتنتهي
النهاوند المقام الرقيق والهادئ لأيات النعيم والسرور
السيكا مقام الأفراح والبشائر
العجم مقام السلاسة والدقة لأيات التشريع والأوامر والمصائر
الحجاز مقام الهيبة والشفافية والحزن الوقور لأيات يوم القيامة والجنة
الصبا المقام الروحاني المنتظم للحزن الشفيف وأيضاً لأيات يوم القيامة والأهوال
الكرد مقام الشجن والتأمل.

هذا القارئ الشجي (عبدالعزيز الفقيه) أبدع في مقام (البنجكة) وهو مقام “السيكا” ولكن مُطعم بالأسلوب الحجازي في الحركة النغمية والركوز. هو مقام (تكبيرات العيد)
وأنت تشنف مسامعك وتروح قلبك بهذا الأيات والأداء سيمر عليك طيف الشيخ زكي داغستاني (قارئ الملوك) وتهب عليك نسائم الشيخ محمد أيوب أبن مكة المكرمة وأمام المسجد النبوي.
في هذا المقطع سيبدأ القارئ بمقام (الحراب) والذي يشبه كثيراً مقام “الراست” وينتقل الى (البنجكه) وهي “السيكا” ولكنها هنا مزخرفة بروح الحجاز.