كيف نفهم إيران؟ رحلة تحليلية في الجذور الذهنية والنفسية والجيوسياسية.

مقال شخصي- منصة X

 

“الحضارات لا تموت بالقتل، بل بالانتحار.”

— أرنولد توينبي، المؤرخ البريطاني (1889–1975)

 

تُعدّ إيران واحدة من أكثر الدول تعقيداً في المشهد الجيوسياسي المعاصر، حيث يختلط فيها الدين بالسياسة، والبراغماتية بالأيديولوجيا، والتاريخ العريق بعقدة الاضطهاد.

إن محاولة فهم إيران تتطلب تتجاوز عناوين الأخبار والقراءات السطحية والولوج إلى أعماق بنيتها السياسية والاجتماعية وقبل ذلك النفسية، لفهم الدوافع الحقيقية وراء سلوكياتها، لاسيما استراتيجياتها في الشرق الأوسط وتوجهاتها نحو دول الخليج العربي.

لا يمكن تفكيك “اللغز الإيراني” دون الغوص في الذاكرة التاريخية التي شكلت سايكولوجية القيادة والمجتمع، والتناقضات العميقة التي تحكم نظرتهم للذات ولـ”الآخر” لفهمهم ، يجب تفكيك البنية النفسية المعقدة التي تجمع بين “جنون العظمة” (التفوق القومي) و”عقدة النقص” التاريخية. يعيش الوعي الجمعي الإيراني، وتحديداً القومي الفارسي، على أمجاد الإمبراطورية الفارسية الساسانية والأخمينية، ويرى في نفسه وريثاً لحضارة “آرية” متفوقة. غير أن هذا الشعور بالاستعلاء اصطدم تاريخياً بحدث مفصلي شكّل جرحاً نرجسياً عميقاً في الذاكرة الفارسية: الفتح الإسلامي العربي لبلاد فارس وسقوط الإمبراطورية الساسانية. لم تنظر النزعة القومية الفارسية المتطرفة إلى الفتح الإسلامي كرسالة هداية، بل كـ”غزو” من قِبل “أمة أقل شأناً” أسقطت إمبراطوريتهم العظيمة. ولّد هذا الحدث صدمة حضارية وعقدة نقص مركبة تجاه العرب؛ فمن جهة، ينظر القومي الفارسي بدونية إلى العربي ثقافياً، ومن جهة أخرى يجد نفسه مضطراً لاعتناق ما جاء به من دين واستخدام مفردات لغته.

تجلى هذا الصراع النفسي مبكراً في التاريخ الإسلامي عبر “الحركة الشعوبية” في العصرين الأموي والعباسي، وهي حركة ثقافية وسياسية سعت للطعن في العرب والحط من شأنهم لغوياً وثقافياً، لإثبات التفوق الفارسي.

وفي العصر الحديث، تجسدت هذه العقدة في أعمال أدبية كبرى تُعد مرجعاً للقومية الفارسية، مثل “الشاهنامة” لأبي القاسم الفردوسي، التي امتلأت بأبيات تمجد العرق الآري الفارسي وتحتقر العرب وتصفهم بأوصاف دونية، محاولةً استعادة المجد الغابر بالشعر بعد أن ضاع بالسياسة.

إلى جانب عقدة النقص التاريخية تجاه العرب، يحمل الوعي السياسي الإيراني الحديث حساسية مفرطة تجاه التدخلات الأجنبية، مما عزز عقلية “الحصن” والشعور الدائم بالمظلومية. من أبرز المحطات التي رسخت هذا الشعور الانقلاب الذي دبرته المخابرات الأمريكية والبريطانية عام 1953 وأطاح بحكومة رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً محمد مصدق.

كما شكلت الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) صدمة وجودية أخرى، حيث استمرت ثماني سنوات وخلفت دماراً هائلاً، وواجهت فيها إيران دعماً غربياً وعربياً واسعاً للعراق. هذه الأحداث، مضافة إلى العقوبات الدولية المستمرة، رسخت “ثقافة المقاومة” وعززت حساسية القيادة الإيرانية والمبالغة تجاه أي إهانة أو “إذلال سياسي” خارجي. فالضغوط العلنية غالباً ما تدفع إيران لمزيد من التشدد، ليس بدافع القوة، بل بدافع الحفاظ على هيبة الدولة وصورتها أمام الداخل. ينعكس هذا الإرث النفسي والتاريخي على البنية السياسية للنظام الإيراني، الذي يقوم على ازدواجية معقدة تجمع بين مفهومي “الجمهورية” و”الإسلامية”.

فرغم وجود مؤسسات منتخبة مثل رئاسة الجمهورية ومجلس الشورى، إلا أن السلطة الحقيقية والكلمة الفصل تكمن في يد “المرشد الأعلى” استناداً إلى عقيدة “ولاية الفقيه”.

هذه العقيدة التي أسس لها آية الله روح الله الخميني تمنح القيادة الدينية صلاحيات شبه مطلقة تشمل رسم السياسات العامة وقيادة القوات المسلحة. هذه الهيكلية تخلق ما يُعرف بـ “اللامركزية المقيدة”، حيث تتعدد مراكز القوى، لكنها تعمل جميعاً تحت سقف لا يمكن تجاوزه. وفي قلب هذه المنظومة يبرز دور الحرس الثوري الإيراني الذي تأسس عام 1979 كقوة موازية للجيش لحماية الثورة. تحول الحرس الثوري بمرور الوقت إلى إمبراطورية اقتصادية وعسكرية وأمنية تمثل “الدولة العميقة” في إيران، ويدير عبر ذراعه الخارجي شبكة واسعة من الوكلاء الإقليميين ضمن ما يُسمى بـ “محور المقاومة”. تتسم الشخصية الإيرانية بقدرة فائقة على التكيف والتعايش مع هذه التناقضات، وهو ما ينعكس جلياً في سياساتها الخارجية. تُوصف إيران بأنها “أمة من التفاصيل”، تمتلك نفساً طويلاً وقدرة على “التأني التأملي” ما يشبه ثقافة حياكة السجاد الإيراني.

هذا الانعكاس النفسي يجعل القيادة الإيرانية تتقن لعبة التوازن بين الأيديولوجيا والمصالح البراغماتية؛ ففي حين تُستخدم الأيديولوجيا الإسلامية والشعارات الرنانة كغطاء لحشد الجماهير، تُحرك المصالح القومية والجيوسياسية الفارسية القرارات الفعلية على الأرض. يظهر هذا التناقض بوضوح في تاريخ العلاقات الإيرانية-الإسرائيلية؛ فرغم الخطاب المعادي لإسرائيل، شهدت الفترة بين عامي 1981 و1983 صفقات أسلحة إسرائيلية لإيران قُدرت بملايين الدولارات خلال حربها مع العراق.

هذا يؤكد أن العداء ليس حتمياً أيديولوجياً بقدر ما هو أداة استراتيجية قابلة للتعديل وفقاً للمصالح، وأن المصالح الإيرانية مستعدة لتجاوز كل الخطوط الحمراء الأيديولوجية عندما يتعلق الأمر ببقاء النظام. في درب هذه البراغماتية، تعتمد إيران استراتيجية “الردع غير المتماثل” لتعويض تفوق خصومها العسكري التقليدي. من خلال استخدام الصواريخ الباليستية، الطائرات المسيرة، وشبكات الوكلاء، تضارب التصريحات، تسعى إيران لفرض تكاليف باهظة على أي تصعيد ضدها. هجماتها على المصالح في الخليج تنطلق من عدة أهداف استراتيجية ونفسية، منها:

الضغط الاقتصادي لتمرير الألم ومحاولة تحويل أي مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية عبر استهداف خطوط إمداد الطاقة، لإجبار القوى الكبرى على التدخل لوقف التصعيد. 

التهديد الأمني كورقة ابتزاز سياسي في المفاوضات الدولية للحصول على تنازلات ورفع العقوبات.

أضف إلى ذلك محاولتها تصدير عقدة النقص كاستعلاء إقليمي لإثبات التفوق والهيمنة على الجوار العربي، كنوع من التعويض النفسي عن الجرح التاريخي، وإيصال رسالة بأن “السيادة” في المنطقة يجب أن تعود للفرس.

أيديولوجياً، تتبنى إيران نظرية “أم القرى” التي صاغها محمد جواد لاريجاني، والتي تعتبر إيران مركز العالم الإسلامي، مما يبرر تدخلاتها الإقليمية ويغذي تنافسها الجيوسياسي مع قوى المنطقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، في محاولة لسحب الزعامة الإسلامية من العرب. هذه الطموحات الخارجية تصطدم بواقع داخلي معقد، حيث يعيش المجتمع الإيراني صراعاً مريراً بين هويتين متناقضتين: الهوية القومية الفارسية التي تمجد ما قبل الإسلام. والهوية الإسلامية الشيعية التي يفرضها النظام الحاكم. هذا التناقض يخلق توتراً داخلياً مستمراً. إلى جانب ذلك، يشهد الداخل الإيراني فجوة متسعة بين النخبة الحاكمة والشعب، لاسيما جيل الشباب. يعاني المجتمع من ضغوط اقتصادية خانقة نتيجة العقوبات وسوء الإدارة، وتبرز بين الحين والآخر موجات من الاحتجاجات الشعبية العارمة، مثل احتجاجات عام 2022 إثر وفاة الشابة مهسا أميني. هذه التوترات الداخلية تضع النظام تحت ضغط مستمر، مما يدفعه للجوء إلى التصعيد الخارجي كآلية للحفاظ على التماسك الداخلي وتبرير استمرار القبضة الأمنية وتصدير الأزمات للفت الانتباه الداخلي. إيران ليست مجرد دولة مارقة تتصرف بعشوائية، بل هي كيان سياسي ونفسي معقد تحركه تراكمات تاريخية من عقد النقص وجنون العظمة.

فهم سلوكها يتطلب إدراك التداخل المعقد بين صدمة الفتح الإسلامي التي جرحت الكبرياء الفارسي، وعقدة البقاء التاريخية، والبنية السياسية التي يهيمن عليها الحرس الثوري، والبراغماتية المغلّفة بالأيديولوجيا الدينية. إن قرارات إيران الخارجية وعداءها المستتر والمعلن للعرب غالباً ما تكون انعكاساً لأزماتها النفسية والداخلية ومخاوفها الوجودية.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، ستستمر طهران في استخدام استراتيجيات الردع والتصعيد وتوظيف الأيديولوجيا كأدوات حيوية لتعويض هشاشتها الداخلية وفرض هيمنتها المتوهمة في الإقليم. إيران تعاني من ما يُسمى في علم النفس السياسي بـ “نرجسية الإمبراطورية الساقطة” — وهي حالة تُصيب الأمم التي كانت عظيمة ثم سقطت، فتعيش في حالة دائمة من التوتر بين ذاكرة المجد وواقع الضعف، وتُعوّض هذا التوتر بالعدوانية الخارجية والقمع الداخلي.