شيخ المؤرخين سهيل زكار «ابن الحاضر الذي دوّن الماضي»

2020-5-14 - مجلة اليمامة

في غرة مارس2020، توفي سهيل زكّار، المؤرّخ والباحث. وكأي عظيم في ناحيتنا في العالم رحل في غفلة وكاد أن يطويه النسيان.
وُلد سنة 1936، في منطقة الحاضر في حماة السورية. وتعود عشيرته إلى يونس الربّاني من ماردين التي ضُمّت إلى تركيا بموجب معاهدة لوزان في 1923. والربّاني صاحب الطريقة الصوفية الشهير الذي ينتهي نسبه إلى الإمام الحسين.
كان أبوه راعي أغنام ميسور الحال، لكن مصائب المواسم وما جرى في حماة أيام الإنتداب الفرنسي في سوريا، أعدمت حلاله. فانطلق سهيل صغيراً إلى العمل. وبدأ يساعد أبناء عمّه من دون تعلّم حرفة، في تنفيذ الأشغال المطلوبة. إلّا أنه كان يقرأ بنهم كل ما تقع عليه يداه.
وخلال نشأته، تأثّر بنهج اسرته السياسي مع الاحزاب «الشباب العربي» و«الاشتراكي» ثم «البعث العربي». وتكوّنت لديه ثقافة مختلفة. واكتسب من تلك المدارس فكراً تحرّرياً دفعه إلى التقدّم. انتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي في 1955. وفي السنة التالية، أخِذ إلى الخدمة العسكرية. وحين بلغ السن القانونية، التحق بخدمة العلم، أيام العدوان الثلاثي على مصر، حيث شُكّل في منطقة الشيّخ مسكين.
وفي 1958، كان يتوجّه من هناك إلى دمشقَ ليلاً للوصولِ صباحاً لتقديم الامتحانات والعودة، على رغم صعوبة المواصلات. ولم يكن ينعم حينها بالنـّومِ.
في الثانوية الاجتماعية، التحق بقسم التاريخ، لشغفه الشديد به. والتحق بالكلية العسكرية. وفي عهد الوحدة، نُقل إلى معسكر تدريبي في منطقة اللاذقية الساحلية. ولحسن حظّه، طُلب للاعتراف بأسماء نشطاء بعثيين ورفض، ففصل من الخدمة العسكرية، وعاد إلى الدراسة وأكمل مسيرته الجامعية باندفاع كبير.
ثم عمل موظّفًا مدنياً في وزارة الدفاع، لكن الأمن بقي يلاحقه، في زمن الوحدة، حتى صُرف من الوظيفة بسبب ميوله البعثية. ثم عمل في مجلة «الجندي» والمجلة العسكرية برئاسة نخلة كلاس الذي اخذ بيده وساعده. ثم حصل الانقسام البعثي الذي حرّره من كل انتماء عقائدي وحزبي، ما يسّر له مناصرة الكتاب والبحث.
صار معلماً وطالبًا جامعياً، وتخرّج منها بتفوّق وامتياز مع أنه لم يكن يداوم على المحاضرات. وبعد عرقلة بسبب ماضيه السياسي وارتداده عن البعث، انحلت العقدة واستطاع الالتحاق بجامعة لندن ولم يكن ينطق باللغة الإنكليزية، وكانت المرة الأولى التي يدرس دراسة منتظمة، بعدما أمضى حياته يتتلمذ على يده، متحرّراً من قيود المدرسة والأستاذ.

لا شيء أغلى من القلم والكتاب
في جامعة لندن، قابله رئيس القسم المؤرّخ والمفكّر برنارد لويس الذي عاجل زكّار باللغة العربية طالباً منه أن يتعلّم الإنكليزية قبل كل شيء. فغاب عنه شهراً واحداً وعاد إليه يتقن اللغة الجديدة.
وخلال الدراسة، اصطدم بأستاذه مراراً بسبب معلومات خاطئة كان يدلي بها في الحصص. فشكاه إلى لويس الذي استدعاه لكي يسائله على تصرّفاته وعلى ثقته المفرطة بنفسه. فكشف له زكّار كتابين كان ألّفهما عن خليفة بن خيّاط في مسألة التاريخ وطبقاته. وهو ما كان لويس يبحث عنه ولا يجد له أثراً.
فطالبه لويس أن يكتب مقالاً علمياً وافياً عن ذلك المؤرّخ. فكتبه خلال ثلاث ايام. وعليه، أعفي سهيل من الامتحانات. وهنّأه لويس بالقول: «كتبك ومقالاتك منحتك الشهادة».
وبعدها، حقق رسالة عن حلب ما بين 1004 و1094، واجتازها وطُبع بحثه وحلّ في مكتبة الجامعة العريقة. ودعاه لويس إلى البقاء والاشراف على الدراسات العليا. ولكنه اعتذر وعاد إلى سوريا، حيث عرضت عليه وظائف ومميزات رفضها كلها، بعد أن أيقن أن لا شيء أغلى من القلم والكتاب.

موقفه من برنارد لويس
لا ينكر زكّار ان لويس يتمتّع بإمكانات علمية كبيرة جداً. وقد تعرّف عليه من كتاباته قبل أن يلتقيه. إلاّ أنه لم يكن يتّفق معه. واعترف شيخ المؤرخين أنه تأثّر بكثر سبقوا لويس وخلفوه. ويعترف أنه نجا من التورّط في مشروع لويس ومخططه الشرير، لحسن حظّه.
فلمّا ذهب لويس إلى الولايات المتحّدة وكان في عمر الستين، كشف وجهه الصهيوني الحقيقي، الذي كان يخفيه في جامعة لندن، وبات من ألدّ أعداء العرب، وعمل مستشاراً لدى المحافظين الجدد.

ماهو التاريخ عند سهيل زكار؟
التاريخ هو تدوين او رواية ما حدث في الماضي. وعلم التاريخ عند العرب نشأ نشأة مستقلة بعد الاسلام وتطور ضمن ظروف موضوعية. وعرف العرب عدداً كبيراً جداً من المؤرخين كتبوا عن احداث حصلت قبل الاسلام او حصلت في ايامهم.
وفن التدوين تطور وتشعب واهم المبادئ التي اعتمدها فن الحوليات. ثم تطور الحال الى اختراع علم التراجم وتطويره عن علم الطبقات. وعلم التراجم في الاساس هو علم اخترعه العرب ولم يعرفه الاخرون الا في ما بعد. وجاء بعض المؤرخين ودمجوا التراجم والحوليات.

واجباتنا تجاه تاريخنا عند زكّار!
في الغرب الاوروبي منذ عدة قرون، ظهر عدد من فلاسفة التاريخ بمناهج وعلوم مختلفة. وقد استعار العرب وتأثروا الى ابعد الحدود بالتفسير التاريخي الاوروبي. وتأثروا جداً بالكتابات التاريخية التي حققها عدد من المستشرقين وبعض المستعربين الذين ارسلوا للوطن العربي.
واليوم هناك حاجة ملحّة لإعادة النظر ليس بكتابات المستشرقين وحسب بل بالموروث العربي الاسلامي بالكامل.
عدا عن ذلك، في تعامل العرب مع الغرب اعتمدوا على عمليات التحقيب التاريخية (الطريقة الاوروبية)، حيث قسّموا التاريخ الى عصور قديمة ووسيطة وحديثة. وهذا لا يتماشى مع ما حدث في التاريخ العربي.
ويؤكد زكّار أن التّرجمة أساسيّـة في عمل المؤرّخ، ولا بدّ له من الاِطّـلاع على مصادر غير عربيّـة، إذ منذ قيامِ الإسلام صار هناك مصادر غير عربيّـة، وهي تُعتبر مصادر مفيدة جداً كُـتبت بالسريانية والآرامية والإغريقية (اليونانية القديمة).


ما أهمية التاريخ؟
يقول زكّار أن التاريخ هو الهوية. ولا يمكن لإنسان أن يكون بلا هوية. والعرب الذين حاولوا ان يبددوا هذه الهوية، لحسن الحظ، لم يقبلهم احد. فلا يمكن لحضارة او جماعة أو فرد ان ينتج شي من دون تراث او هوية. كما لايمكن البناء على أسس مستعارة.
ويمكن البناء كما فعل اجدادنا عندما بنوا حضارة قادت البشرية لالف عام. وعلى تجاربهم وخبراتهم وتراثهم يمكننا صنع حضارة جديدة. ولتبسيط الفكرة يشرح زكّار: «نحن ولدنا في الماضي، انا اتحدث وانا ابن الماضي وثقافتي تكونت في الماضي.»
وأنا أيضاً فرد من جماعة تمتلك ذاكرة جماعية، والتاريخ في الحقيقة ميدان للوعي والتنبه. وميدان خطير جدا وميدان يوفر للانسان خبرات هائلة.»
وعلى سبيل المثال، معاوية بن ابي سفيان من كبار الساسة في التاريخ الاسلامي. عندما استقر له الامر، ارسل لعبيد بن شريه الجرهمي ليقص عليه اخبار الامم الماضية، حتى يستطيع ان يفهم الحاضر أكثر ويستشرف المستقبل.
مثال اخر: شارل ديغول عندما بدأ الحرب ضد النازية وتحرير فرنسا، قال «عليكم ان تزودوا الجنود بتاريخ فرنسا.»

من هو ابن خلدون؟
يرى زكّار ان العلامة ابن خلدون يعتبر من ابرز الشخصيات التي مثلت الثقافة العربية عموماً، وخصوصاً في المرحلة الاولى من قيام دولة المماليك الثانية التي ترافقت مع مجيء تيمور.
وأن ابن خلدون كتب مقدمته اكثر من مرة حيث عثر على 13 نسخة من المقدمة 9 منها بخط ابن خلدون، وهذا يدل على تطور فكر ابن خلدون.وقد وضع ابن خلدون شروط نقدية لكتابة التاريخ ولكنه لم يوجد فلسفة لتفسير التاريخ. والعرب حتى الان يحتاجون فلسفة لتدوين وتفسير التاريخ .. فالتاريخ خبر ورؤية والرؤية قد تكون هي الاهم لتعليل الحوادث.

طريقة البحث
يؤكد زكّار أن المؤرخ يبحث عمّا وقع في الماضي بحيادية وبشكل علمي، ويكون قادراً على ضبط انفعالاته. وقد حاول في عمله ان يجمع كل ما كتب ولا يعبأ بالهويات في ذلك، مستخدماً عملية النقد. فالانسان يستخدم النقد للتأكد من صحة الحدث وليس لمعارضته، يعن أن يلحّ على تفسير الحدث التاريخي دائماً.
فالتاريخ خبر ويجب ان نتعامل مع الخبر بكل دقة وعلمية، ولكن علينا ان نعتمد على الرؤية لكي تتضح الامور اكثر. وأي انسان يعمل لوطنه داخليا او خارجيا، ينبغي له ان يتعلم مبادئ التاريخ على الاقل لأنها ستضيف الكثير من الوعي والمعرفة.
ويعطي مثالاً على ذلك يقول قبل فترة كنت اقرأ كتاب في شرح السيرة النبوية ويتحدث في جزئياته عن قصة الفيل.
ويقول الباحث إن اسم الفيل (محمود)، وحاول إثبات ذلك من خلال عشرات الروايات. وبحكم معرفتي الواسعة، اعرف ان الهنود يطلقون على سائس الفيل اسم «ماموت»، وهكذا يكون محمود الذي يقصده المؤلف هو ماموت!

مكتبته
جمع سهيل زكّار مكتبة تضمّ اكثر من 35 ألف عنوان ولديه اكثر من 250 كتاب من تأليفه وتحقيقه وترجمته. وكان يريد ان تشكّل مكتبته نواةً لمركز دراسات وبحوث للتاريخ العربي والاسلامي. ويعتبر المحققون والمؤرخون أن موسوعته «الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبية» واحدة من أكبر الموسوعات التاريخية في العالم، إذ تنطوي على أربعين مجلداً في قرابة خمسين ألف صفحة.