عجيب هذا الحزن الممدود في صوت الناي: كيف تراه يتلاعب في تجاويف القلب وخبايا الروح، وكيف يحاكي أحزاننا دون أن نشعر، الألف والياء، وكأنه يتقفى المواجع حتى لو لم نكن ندري بوجودها..! يحكي أنيس منصور في (غرباء في كلّ عصر) قصّة النّاي ويقول أن أصل اسم الفارابي هو (الفأر أبي)، وسُمّي بذلك لأنه رأى فأراً يقرض قصبة خشبية ويحيلها نايًا، فقال: “الفأر: أبي” لأنّه علّمه كيف يكون سرّ الأشياء وقيمتها في تجويفها، أي في الفراغ المُحدث فيها.
يعجبني تفسير جلال الدين الرومي لحزن الناي، إذ يذكر أن حزن النّاي سببه حنين القصب إلى غاباته التي قُطِعَ منها، حنين إلى أصله، إلى أوديته ووطنه وماضيه القديم.