الناتج القومي

2020-7-2 - مجلة اليمامة

قد يكون “الناتج القومي” من المصطلحات الاقتصادية الشهيرة، ولكنه من وجهة نظري ملائم لأن يكون في الاقتصاد وفي غيره، بل ان الاقتصاد محكوم بمدة معينه ازاء ما أود الانتقال اليه!
النشاط البشري الذي يشمل إنتاج وتوزيع واستهلاك السلع والخدمات (الاقتصاد) لا يمكن تجاوزه او اهماله مهما كان، ولكن التجارب اثبتت ان هناك دائماً بُعداً آخر تُقاس به عظمة الحضارات وتمدن الشعوب وقوة الدول. وتختصره اللغة احياناً بكلمة “إبداع”
والابداع بطبيعته غير محدود لا بشكل ولا نمط ولا بفن معين، بل هو حالة عقلية تنحو لإيجاد أفكار أو طرق ووسائل تشكل إضافة حقيقية لمجموع النتاج الإنساني؛ وأن تكون ذا فائدة حقيقية على أرض الواقع.
ما وددت تصويبه أن هناك بعض المقولات الدارجة كالابداع يخرج من رحم المعاناة، والحاجة ام الاختراع وغيرها والتي لا أراها إلا مقولات غير منطقية تماماً وربما كان ايجادها لحاجة نفسية وليس عقلية واستخدامها يأتي دوماً في منحى عاطفي.
في رأيي، أنَّ المبدع الذي أنتج رغم المعاناة، كان يمكن أن يبدع بصورة أفضل لو تهيَّأت له ظروف معيشيَّة أفضل، فحين تلقي نظرة سريعة على قائمة الدول الأكثر ابتكاراً ستجد أن مواطنيها بعيدين عن الحاجة ورحم المعاناة، بل أنك ستجد أن السبب الأول هو البيئة المحفزة من المجتمع، والجاهزية التي توفرها الدول لدعم العقول ونتاجها.
فدول مثل امريكا وكوريا الجنوبية والمانيا واليابان وبريطانيا وفرنسا مرت بمراحل كارثية في تاريخها. وإلى وقت قريب، كان من الصعب تخيل ما هي عليه اليوم!
وفي فرص التطور وخلق الإبداع. ستجد دوماً ان هناك عواملاً ومبادئ راسخة متفق عليها منها تقدير الجمال وإحقاق الحق والدفاع عن كل ما يخدم مصلحة الانسان مهما كانت جذوره وافكاره.
قد تحتاج المجتمعات لمراحل حتى تنضج فكرة الاختلاف والتنوع فيها، وأن تؤمن بأن الإختلاف هو إيجابي اكثر مما هو سلبي، وانه يصب دائماً في الصالح العام.
هناك من هم في صراع دائم مع انفسهم قبل غيرهم، وفكرة الآخر ليست إلا تصور عن الخصومة. وبطبيعة الحال من لا يتسع لنفسه فلن يتسع لغيره، فالعجز الذهني وضعف الإستعداد النفسي يصنع أنماطاً مهزوزة مع الوقت تشكل إيذاءاً لأي جديد في الحاضر.
ويتطور هذا المهزوز الى شخص متنمر او مفترِ او مغتال احياناً، لا غرض له الا تكسير الرؤى وإفشال المشاريع. ولو كانت الأمور بين يديه لاخفى هذا المختلف عن ظهر الوجود. فهو يعتقد ان بتغييبه المختلف عنه هو انتصار لموقفه، والحقيقة ان التاريخ يثبت عكس ذلك دوماً.
والتاريخ مليء بالدماء والنار والقضبان وقصص العظماء الذين إحتملوا الفقر والحرمان والظلم من دون أن يفقدوا إيمانهم. وكانت أغلب نهاياتهم مأساوية..
فالمهاتما غاندي إستقرت في صدره ثلاث رصاصات من شاب هندوسي من نفس طائفته، لأنه دافع عن الوحدة بين الهندوس والمسلمين. ومالكوم إكس عندما طالب بحقوق المسلمين السود تم قتله بواسطه 7 رصاصات على المسرح، وقبله أبوه وعمه. وقبله بعام، مارتن لوثر كينغ وهو يطالب بالمساواة بين البيض والسود في اميركا ويأخذ جائزة نوبل وماهي إلا سنوات ويقتله قناص. ونيلسون مانديلا طالب بالعدالة الاجتماعية للناس في بلده قد تم سجنه 27 سنة ووضعت أميركا إسمه على لوائح الإرهاب وظل إسمه موجوداً على تلك القائمة حتى اواخر 2008.
وعلي شريعتي إنتقد التعصب الطائفي فتم قتله بكل دمٍ باردٍ في لندن من قبل المخابرات الايرانية.
وفي أوروبا، غاليليو أصابه العمى وظل منفياً في منزله حتى مات، بسبب نظرية مركزية الشمس، وقبله أستاذه كوبرنيكوس. واسبينوزا تم نفيه، وبعد وفاته رفض سكان أمستردام أن يُدفن في مدينتهم حتى وجدوا له في نهاية الامر ضريحاً صغيراً في جزيرة لاهاي أقصى غرب هولندا. وفرانسوا فولتير فيلسوف التنوير عاش كل حياته هارباً بعد ان تم نفيه و سجنه و تعذيبه لمجرد انتقاده لبعض ممارسات الكنيسة الكاثوليكية، مات وهو لا يملك المال لشراء بعض الأدوية المسكنة له. رحل هو وجون جاك روسو صاحب “العقد الإجتماعي” حجر الزاوية في الفكر السياسي والاجتماعي الحديث كما يقال في عام 1778 والذي خسر حقوق المواطنة وغير مذهبه حتى يستعيدها. وبودلير الذي حرك بحور الشعر فى أوروبا قدم الى المحاكمة بتهمة إنتهاك الأخلاق العامة، اكثر من مرة، ونُفي بيكاسو، وأُعدم لوركا رمياً بالرصاص في طرقات قرطبة. وقبل هذا كله مات سقراط بالسم وصفد سينيكا.
وحتى نكون منصفين مع أنفسنا. فإن تاريخنا مليء بالمآسي التي لا تخطر على البال، ومن لا يقرأ التاريخ يضطر إلى إعادته وتكراره!
فقد طُبخت أوصال إبن المقفّع في قدر، ثم شُويت أمامه ليأكل منها، وبشار بن برد ضُرب بالسياط حتى مات. والإمام مالك ضُرب وجُلد حتى انخلعت كتفه. وقبله عُذب أبو حنيفة النعمان. وسُفك دم ابن حيان وسجن وعُذب. وعلّقوا رأس أحمد بن نصر وداروا به في ازقة بغداد. وصُلب الحلّاج حيًا أيامًا متوالية في رحبة الجسر وضُربت عنقه وأُحرقت جثته بالنار، وكُفّر الفارابي، وأحرقت كتب الغزالي. وإبن رشد نفاه المنصور الموحدي إلى القرية اليهودية وأحرق كتبه. والسهروردي جوعوه حتى مات، ومحيي الدين بن عربي كفروه وخوّفوا الناس منه حتى أصابه الهلع وعاش بقية حياته خائفاً داخل بيته. ومثله إبن جرير حين رموه بالتشيّع، ومنعوا الناس من الإجتماع به، وظل مُحاصرًا في بيته حتى تُوفّي، وخنقوا صاحب “زمان الوصل” لسان الدين بن الخطيب وأخرجوه من القبر وأحرقوا وجهه. وكل حدث أعلاه لايفصله عن الاخر 50 عاماً في تسلسلها الزمني، ولا ننسى ظاهرة التكفير التي لم ينجُ منها كثيرون كالرازي وإبن سينا والكندي .. الخ
في آخر مئة عام، تغرب الكثير من المفكرين والادباء خوفاً من الطعن كنجيب محفوظ أو القتل كفرج فودة أو الإختفاء في ظروف غامضة كموسى الصدر.
وبعد هذا كله، فأنك حين تتجول في الشبكات الاجتماعية وتشاهد عمليات الإقصاء لمجرد الإختلاف وسهولة التكفير والتخوين والمكارثية، تشعر بأننا لم نتحرك الى الأمام واننا ما زلنا نراوح مكاننا.
ما يحدث هو إنخفاض حقيقي في الناتج القومي بالمعنى الاجتماعي والانساني.
ولعلي أختم بقصة تختصر الكثير..
حين فر عبدالحميد الكاتب مع مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية قال له: “إنج بنفسك ياعبد الحميد، فإنهم إن قتلوني خسرني أهلي وحدهم، وإن قتلوك خسرك العرب جميعاً”.
فكم من عبدالحميد خسرناه حتى اليوم؟