2026-4-5
مشهد بصري تعبيري مدهش يجسد أحد تحديات الوجود الإنساني. يحمل أسم Approaches «مقاربات».
يظهر الفنان الفرنسي (يوان بورجوا) فيه وهو يصعد سلما، ثم يتعثر ويسقط، غير أن الترمبولين الخفي يعيده إلى الصعود من جديد. هذه الدائرة المتكررة لا تقدّم معنى النجاح بوصفه خطًا مستقيمًا، بل تكشفه بوصفه تعاقبًا بين الصعود والهبوط، بين الإرادة والاختلال، بين الطموح والرجوع القسري إلى نقطة الألم نفسها.
وصفوا هذا الأداء بأنه تجسيد بليغ لفكرة أن الحياة لا تُعاش في صعود متصل، بل في محاولات متجددة لاستعادة التوازن بعد كل سقوط.
ما أراه أن قوة هذا المقطع في اقتصاده البصري؛ فالعناصر قليلة: سلّم، وترمبولين، وجسد. لكن هذا التقشف الشكلي يفتح أفقًا واسعًا للتأويل. فالسلم هنا ليس ديكورًا، بل صورة رمزية للترقي والرغبة والجهد الإنساني، فيما يتحول السقوط إلى دور رئيسي داخل العرض لا إلى خطأ طارئ فيه. أما الترمبولين، فيؤدي وظيفة مزدوجة: فهو من جهة أداة فيزيائية تستقبل وترسل، ومن جهة أخرى مجاز خفيّ للقدرة على الارتداد النفسي؛ أي تلك القوة غير المرئية التي تمنع الإنسان من الانهيار النهائي، حتى حين يبدو أنه فقد سيطرته بالكامل.
يلامس هذا العمل وجدان المتلقي المعاصر لأنه ينتمي إلى زمنٍ بات فيه الإنسان محاصرًا بفكرة الإنجاز الدائم، والصعود المتواصل، والصورة المثالية للنجاح. لذلك يأتي أداء بورجوا كنوع من النقد الصامت لهذه الأسطورة الحديثة؛ إذ يذكّرنا بأن التعثر ليس نقيض التقدم، بل جزء من إيقاعه الداخلي. إنه يعيد الاعتبار إلى السقوط بوصفه خبرة كاشفة، لا وصمة عار، وإلى التكرار بوصفه شكلًا من أشكال المقاومة والاستمرار، لا علامة على العجز.
المشهد يلامس خبرات إنسانية عميقة: الخوف من الفشل، الإحساس بالوحدة في أثناء الصعود، الإرهاق الناتج عن البدء من جديد، ثم تلك الكرامة الصامتة التي تجعل المرء يواصل رغم كل شيء. لهذا السبب بدا المقطع مؤثرًا لدى جمهور واسع؛ لأنه لا يعرض مهارة جسدية فحسب، بل يعرض سيرة داخلية مكثفة يعرفها كثيرون في العمل، والحب، والحزن، والتعافي، والطموح الشخصي. وما يجعل هذا التأثير مضاعفًا هو أنه لا يشرح فكرته بالكلمات، بل يترك الجسد يكتبها في الهواء، مرة بعد مرة.
في أداء يوآن بورجوا، لا يبدو السقوط نهاية الطريق، فكل تعثرٍ يحمل في داخله طاقة للنهوض، وكل صعودٍ يختبر هشاشتنا قبل قوتنا. يذكّرنا بأن الإنسان لا ينتصر لأنه لا يسقط، بل لأنه يواصل الصعود كلما سقط.