السارق المؤدب والأديب السارق

2022-12-16 - مجلة اليمامة

في بداية الثمانينات، كتب نزار قباني قصيدة «محاولات لقتل امرأة لا تقتل» الشهيرة بـ «وعدتك». وجاء في المقطع ما قبل الاخير “وأنت البداية في كل شيء… ومسك الختام”

بعده بعام، كتب محمود درويش لزوجته حياة الهيني قصيدة «يطير الحمام»، قال فيها: «وإني أحبك، أنت بداية روحي، وأنت الختام». فهل أخذ درويش الفكرة من حماه (سابقا) نزار قباني أم ان مثل هذه التصورات هي ملك ومتاحة للجميع حتماً سيكون الأمر اصعب لو كانت المقارنة بين مشهور ومغمور لغلبة الأول.

أعود الى حوار قديم وسؤال المذيع لنزار قباني من هو أهم شعراء الحداثة في نظرك؟ فأجاب: «حين أتأمل وجه الحداثة فأني أشاهد درويش».

وحين نقلوا تلك الإجابة لدرويش، قال: وفي وجه درويش الكثيرين!

يمكنني الإسهاب في الحديث عن ملكية المعنى وعن الراعي الأول للفكرة، ولكني أقف عند مقولة نيتشه «البشر جميعهم ورثة من بعضهم الآخر بطريقة أو بأخرى». ففي الحقيقة، لا نستطيع الجزم دائماً بأحقية تامة للفكرة الاولى، خصوصاً في الأدب، فلا نعرف من اول من شبه حبيبته بالقمر والكريم بالغيث والشجاع بالأسد… إلخ.

ولكن يمكننا ان ان نتحدث عن الاسبق ومن الذي كان «أملح لفظاً وأصح سكبًا».

وكان العرب يتخففون من معنى الملكية الى معنى السبق، أي ان فلاناً سبق فلاناً الى ذلك، ولامرئ القيس غالباً الريادة في ميدان الافكار عند المتقدمين، ليس لإبداعه فحسب، بل أيضاً لأنه من أبرز الشعراء في زمانه وما قبله. ومن ذلك يجب ان نتصور ان الخناق يضيق على الشاعر مع مرور الوقت، نظراً إلى التراكم الادبي وصعوبة نحت الجديد المبهر.

وأما الاخطل فهو أيضاً عُرف بالسرقة حتى روي عنه قوله «نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة». واما الفرزدق فقد قيل إنه اذا ما استحسن قول الشاعر صرخ به: «أنا أحق بهذا البيت منك»

كان ابن طباطبا وابن رشيق قد برروا الأخذ بلطف، تقديراً للمحنة الابداعية التي يعيشها المتأخر واشترطوا الاتقان واحسان الاتباع في الأخذ. وقد اتاح هذا المنهج وجود مساحة ابداعية تحفيزية، فما سقط من السابق يلتقطه اللاحق. وبهذا وذا نجد ان هناك كمالاً نوعياً وسباقاً أكبر.

اسموها سرقة واخرون اجتلاب والبعض قال إنه تضمين. والمتأخرين انقذوا هذه العملية بأسم «التناص». وقديماً قسموا الأخذ الى نسخ ومسخ وسلخ في مجالات الاسلوب واللفظ والمعنى.

ولا تستغرب إن عرفت ان قصائد كثيرة كانت محاكاة لقصيدة أخرى. وقصائد كثيرة كان يحتاج فيها الشاعر «مطلع» من غيره: «الشطر الذي يهيج القريحة ويحرك مكامن الحس». وكان العرب على حق في تقديرهم لمبدأ الاقتباس، ذلك ان هذا الفعل جاء من اقتناء قبس النار من خيمة نحو أخرى كي تعم الفائدة وتضاء مضارب القبيلة.

وبين التعقب المضني والتسامح الكثير، تكاد لا تجد مبدعاً لم يتأثر بغيره، واكثر بكثير من مجرد توارد خواطر ووقع الحافر على الحافر. فدرويش أخذ وتأثر كثيراً بلوركا الاسباني وتموت الاشجار واقفة خير دليل. ويعترف درويش بتأثره الكبير بامرئ القيس ولوركا، وقد كتب عنه كثيراً في أخذه من النصوص التوراتية الى حدود الاستلاب

ونزار تقريباً اخذ قصيدة مع جريدة كاملة، القصيدة التي غنتها ماجدة الرومي، من الشاعر الفرنسي جاك بريفير فطور الصباح. وليس هذا فقط ففي خبز نزار الكثير من قمح المبدعين.

وأدونيس وتأثره الواضح برامبو وبرايتون والجواهري الذي كان ينتحل المعاني من الأولين وعلى رأسهم ابن العميد. وتأثر بدر شاكر السياب بالشعراء ابو تمام والشاعر تي. أس. إليوت وايديث ستويل واضح للعيان والبيان وتأثر توفيق الحكيم بخوان رامون خيمينز الاسباني في حمار الحكيم. وكذا أخذ ايليا ابو ماضي من الشاعر علي الرميثي قصيدة «الطين» بمجملها.

واتهم نجيب محفوظ بأخذ روايته «ميرمار» من «البيت والعالم» للهندي طاغور. واتهم عبد الرحمن الشرقاوي بسرقة روايته الأرض من رواية «فونتامارا» للإيطالي إيغناسيو سيلوني.

وفي المقابل، نقرأ كثيراً عن كتاب «الكوميديا الإلهية» لدانتي وعن حجم السرقة الموصوفة لهذا لأديب الإيطالي من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري والفتوحات المكية لمحيي الدين بن عربي وهما الكتابان اللذان ترجما من العربية إلى القشتالية في ١٢٦٤م. على يد الطبيب اليهودي إبراهيم الحكيم، بأمر من ملك قشتالة أو كاستيا ألفونسو العاشر. وقصة روبنسن كروزو الشهيرة مأخوذة تماماً عن قصص حي بن يقظان التي كتبها فيلسوف الأندلس ابن طفيل.

وفي النهاية، لا نجد مفراً من الاعتراف بأن المبدعين الاوائل هم كالجغرافيين الأوائل في الاكتشاف والفضل. لذلك فأن من البداهة اتباعهم والتأثر بهم من دون تعد او جدود.

ولذلك اتجهت معظم الدول الى تشريع القوانين التي تعاقب على «السرقة» الادبية، وفق قانون اتفقوا على تسميته بـ «حقوق المؤلف». كما اتجهت المؤسسات البحثية والجامعات ومختلف اللجان العلمية الى تحديد نسب معينة مقبولة للاقتباس، وهي غالباً ما تتراوح بين ٢٠ و ٢٥٪. ويُوضع الذي يتخطى هذه النسبة في مصاف السارق أو المنتحل، مع العلم أن معظم الدوريات العلمية ومؤسسات دعم البحوث العلمية لا تقبل بهذه النسب من الاقتباس.

وحتى لا يأتي يوم يكون فيه السارق اكثر أدباً من الاديب السارق، مثلما حدث في شقة الفنان الفرنسي الروسي الأصل ساشا غيتري. فقد دخل بعض اللصوص شقته في باريس ليسرقوها، وتبين لهم أنها شقة المسرحي والسينمائي ساشا غيتري. فأحجموا عن سرقتها وكتبوا له اعتذاراً قالوا فيه: «جننا نسرقك، وعندما علمنا أن البيت لك عدلنا عن السرقة؛ لأننا نحبك ونعرف قدرك، ولك التحية والاعتذار»