مواكَبةً لازدهار الثقافة السعودية: نحو إنشاء إذاعة ثقافية

2024-8-6 - مقال شخصي- منصة X

قرنٌ مضى على وجود الراديو، ولا يزال صامداً أمام سيل الاختراعات التي تلته، من التلفزيون إلى الأجهزة الذكية. إحصاءات لمنظمة اليونيسكو في عام 2006 أفادت بأن عدد مستمعي الراديو فاق عدد مشاهدي التلفزيون وحاملي الهواتف الذكية. وأشارت إلى وجود أكثر من 800 محطة إذاعية في البلدان النامية، بينما لا يزال حوالي نصف سكان العالم غير متصلين بالإنترنت.

حديثاً، غزت الإذاعة أكثر من ثلاثة أرباع البيوت في الدول النامية، حيث يستمع لها نحو 70% من سكان العالم. وباتت تتيح لمستمعيها شتى الفرص للمشاركة في برامجها وإثراء محتواها. وتعتبر الأمم المتحدة الراديو وسيلة الإعلام الأكثر وصولاً للجماهير، وترى فيه وسيلة اتصال قوية وغير مكلفة لبلوغ مختلف أطياف المجتمعات والفئات والطبقات، متجاوزة فوارق المستويات الاقتصادية والتعليمية والمهنية.

وخلال المئة عام الأخيرة، استطاع الراديو، بفضل سهولة استخدامه، أن يحظى بمصداقية وترحيب أكبر من وسائل الإعلام التقليدية والحديثة على الرغم من أنه أقدمها. فقد كان الراديو الرفيق الدائم للإنسان في كل زمان ومكان، والوسيلة الأكثر رشاقة وقبولاً، إذ يستطيع أصحاب أجهزة الراديو الاستماع إليه وهم منشغلون في أعمالهم، وهذا يسرٌ لا توفره الشاشات بمختلف أحجامها والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي كافة.

والإذاعة الحاضرة في أماكن السكن والعمل ووسائل التنقل، تلائم المجتمعات المحلية والفئات التي يصعب الوصول إليها بشكل خاص. وهي تحظى بشعبية كبيرة، إذ تعين مستمعيها على معرفة أحوال الطقس وحركة المرور والمستجدات الأمنية والرياضية والفنية والترفيهية فور حدوثها. وباتت تشكّل فضاء سمعياً للتواصل والتفاعل بين ثقافات مختلفة.

العرض أعلاه يقود إلى التفكير في إنشاء إذاعة ثقافية، تواكب الازدهار الثقافي والفني والمعرفي الذي تشهده المملكة بصورة عريضة تشمل مجالات الأدب والترجمة والتراث ومعارض الكتاب والفلسفة ومجالات الطفل وميادين ثقافة الحضارة الرقمية وفروع شجرة الفن، مستحضرين جهود وزارة الثقافة ومحتوى هيئاتها وجمعياتها المتخصصة التي ستمثل لها الإذاعة الثقافة ذراعاً خلاّقاً يحمل الصوت والرسالة، ويسهم في الإثراء والأثر، ويعزز من شأن القيمة المضافة للثقافة والفن والمعرفة.

وتتبلور الجهود عبر برامج وتغطيات أحداث ثقافية، ومسابقات متنوعة، فضلاً عن كتب مسموعة ميسرة تتيح للمستمع نهل المعارف بما يناسب نمط العيش السائد في هذا العصر. وبهذا، لن تقتصر الثقافة على فئة بعينها، بل ستعم الفائدة الجميع، إذ يتحول الوقت المهدور في زحام الطرقات وطوابير الانتظار إلى نزهة عقلية. وتصبح ربة المنزل أكثر اطلاعاً وشغفاً بالمعلومة، وتتعلم وهي منشغلة بالأعمال المنزلية ورعاية الأطفال. ويكبر الطفل وتنمو معه حاسة الإصغاء والتأمل قبل الكلام.

الإذاعة الثقافية ستكون حتماً الأولى لمن لديهم بعض المشاكل في القدرات الحركية وأيضاً البصرية، ناهيك بأن الاستماع يصحح في أذهاننا نطق المفردات، وتكمن أهمية الإذاعة الثقافية في أن الاستماع إلى الكلمة عبر الراديو لا يحتاج إلى معرفة بأصول القراءة والكتابة للأفراد الأميين، كما أن المستمع يتفاعل مع صوت المتحدث أو المذيع بفضل ما تثيره طريقة الإلقاء من معانٍ وصور ومشاعر.

والمستمع بدوره يعبر العالم من دون أن يحمل جواز سفر، عبر الروايات والقصص المسموعة. ويحظى الأميّ بفرصة لاجتياز حدوده مع العلم. وتعمّ فائدة الإذاعة على كثيرين ممن يتذوّقون الآداب والفنون وتروق لهم الأبحاث والمواد المتخصصة في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية.

الإذاعة الثقافية هي ضوء جديد يدخل البيوت ونوافذ معرفية لا ينتهي عددها. وستكون للثقافة حياة أخرى في وجداننا، حياة أغزر وأكثر جمالاً وانتشاراً. وتحمل الأسماء أدناه لفتة إلى إذاعات ثقافية عالمية وعربية أثبتت نجاحها، هي:

إذاعة NPR الأمريكية، إذاعة Deutsche Welle الألمانية، وBBC البريطانية، ومونت كارلو الفرنسية، وأختها إذاعة France Culture، وإذاعة Radio Nacional de España الاسبانية، وABC الأسترالية، وCBC الكندية.

أما الإذاعات العربية فمنها:

إذاعة “البرنامج الثقافي” في مصر، إذاعة “تونس الثقافية”، إذاعة “نداء المعرفة” اللبنانية، و”الإذاعة الثقافية” في الجزائر.

وعليه، فإن إنشاء إذاعة ثقافية في المملكة العربية السعودية يمكن أن يكون خطوة فعّالة لتعزيز الثقافة والمعرفة بين أفراد المجتمع. راجياً أن يصل هذا الصوت إلى المعنيين بحقول الثقافة والإعلام ليتحقق تبني هذا المقترح، بما يسهم في توفير منصة إذاعية ثقافية غنية وشاملة تخدم مختلف الأطياف وتحقق الأهداف الثقافية والتعليمية المنشودة.