لم يكن يعلم ابو نعمان صاحب المغسلة أني كنت أتحين أي فرصة لأصور المحل!

تبدأ قصتي معه من حوالي ١٠ اعوام في حي الجامعة حين استأجر هو وأخوه الاكبر مغسلة صغيرة في نهاية الشارع، وبحكم قربه مني كنت أعتبر المغسله امتداد لشقتي، احياناً كانت المحلات تُغلق ويغلق باب محله ويظل طول الليل يغسل ويكوي وحيداً، وأدخنة المكوى المنبعثه في عرض الشارع تفضح سهره وإخلاصه.

في أحد الحوارات معه أخبرته بأني عشت عوالم المغسلة منذ طفولتي حين فتح عمي أول مغسلة في البلدة، وكنت ممن ساهم في خط إنتاج العمل رغماً عني.. 

كانت المغاسل عملاقة بمثابة شاشة السينما آنذاك كنت أصاب بالدهشة وأنا أشاهد دوران الملابس السريع، ورائحة الصابون العتية التي لا انتهي منها الا بعد ان أُُغسل بالماء ثمان مرات اكثر من الكلب. 

أنقطعت علاقتي بالمغسلة في طفولتي منذ حادثة اختفاء ملابس أحداهن بعد ان أرسلت فستان عرسها المسكينة. وفي عشية الزواج جاء اخوها ليستلمه ولم نجده، وكبرت القصة لأنه (زواج أكابر) اختفاء الفستان في ظروف غامضة كتلك أنقص الكثير من فرحة الزواج. وبعد التحقيق من الشرطة واستجوابنا، اكتشفوا لاحقاً ان هناك حرامي فساتين وملابس نسائية أعتقد والله أعلم أنه مصاب بأحد اضطرابات الفتيشية fetishism ولا أعلم هل قبضوا عليه إلى الأن ام لا!

كانت هذه القصة التي حكيتها آنذاك لأبو نعمان كفيلة بأن تدخله حالة ضحك هستيري، ويبدو انه أستشعر الزمالة المهنية وقرر ان أكون صاحبه، كنت اشرب معه الشاي الساعة ١٢ ليلاً ولا اتذكر اني كنت أفعلها مع غيره. كان الشاي اللذيذ والأغاني العدنية منخفضة الصوت تكفي لأن أشعر بأني في افخم سهرة.. 

كان صوت الحكايات والهموم أعلى من أصوات الغسالات ودورانها وبخاخات المكوى.

قبل أعوام عرفت ان أبو نعمان أختلف مع أخيه وفقد مصدر رزقه الوحيد، انزعجت كثيراً ولم أجد له هاتفاً ولا صاحباً يطمني عنه! 

أرسلتني امي قبل عامين تقريباً لأبحث عن مغسلة كبيرة تغسل المفارش والزل. 

واذا بأبو نعمان للتو يفتح مغسلته بجانب بيتنا.

هذا الرجل الستيني الجميل قفز من فوق هذه الطاولة ليحضني. 

أبتهجنا وضحكنا وتذكرنا ايام المغسلة القديمة والأحزان التي بحمد الله أصبحت ذكريات. 

طبعاً كالعادة اخذني لأشاهد المغاسل الجديدة وكيف تعمل بدقة وسرعة متناهية وكأن ابو نعمان وحتف هم ذاتهم قبل عشر اعوام.

ألتقطت هذه الصورة بصعوبة، لم تتركني عيناه ومشاعره لحظة واحدة.