4:30 م
3 يونيو 2019
بما أني في دكة الانتظار عند الحلاق…
الحلاق الذي يتوسط محل الفواكه والخياط النسائي في مدخل القرية.
تذكرت عاطف الموس؛ عاطف الذي يحلق لما يقارب سبع قرى غير قريتنا. كان يعمل عند عمي الأكبر.
وهب الله عاطف مواهب كثيرة وجميلة كان تتفوق على الحلاقة. أو حتى لا أكون ظالمًا أو مجحفًا: كان حلاقًا عاديًا، وشخصاً جميلاً..
بطبيعة الحال عشت سنوات وأنا أمتثل لمهارة عاطف في الحلاقة، وكذلك أبناء جيلي ومن قبلهم، بحكم الظرف المكاني. قضى في القرية قرابة خمسة وعشرين عامًا. غيّر أثاث المحل وكرسي الحلاقة مرة واحدة، وبقي الراديو كما هو، وكذلك الستائر والحنفية التركوازية.
مرّت صيحات وصرخات وشهقات موضة كثيرة في الحلاقة لم نكن نعلم عنها شيئًا. كنا نشاهدها في التلفاز، ونادرًا بالصدفة في سوق المدينة الكبير. لم يكن عاطف مجتهدًا لكي يخبرنا عن أيٍّ منها.
كنت تجد مدرسة كاملة، بشقيها المتوسط والثانوي، بنفس القصة. لم يكن ذلك غريبًا حتمًا، لأننا اعتقدنا أنه لا توجد حلاقة أخرى.
والحقيقة أن عاطف كان ذا شخصية طيبة وعفوية بعض الشيء، وكان يعرف كل أخبار المجتمع. تجلس على الكرسي فيميل بك إلى الخلف، ثم يكفّنك بالقماش الأبيض من أسفل ذقنك حتى حذائك. ثم يسألك: ماذا تريد؟ ويهز رأسه ويبدأ بالحلاقة… الحلاقة التي هو يختارها.
كان أغلب شيبان القرية الطيبين مسكسكين — سكسوسة — أقنعهم أو لم يقنعهم. فكما تقول الأمثال عندنا: «ما مع المتحمّد إلا عشاه». مثل يشبه القاعدة الغربية: Take it or leave it.
والواقع أن خيار leave it لم يكن خيارًا سهلًا، لأسباب مختلفة.
كان عاطف بالنسبة لي ليس حلاقًا، بل صديقًا وصاحب المكتبة العشوائية الأهم في حياتي. كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكن حتى لا يملّ زبائن المحل كان يحضر كل ما يقع في يده من كتب ومجلات وصحف، وحتى دليل الهاتف وكتالوج الدهانات وكتيب تعليمات الأجهزة الكهربائية. كان يعتقد أن جميعها كتب. تجد على الطاولات تجمّعًا هائلًا غير منسجم من المطبوعات.
بدأت حكايتي الفعلية منذ أن وجدت كتبًا ممنوعة على الطاولة. طبعًا لا عاطف ولا كثير من الناس يعرف أنها ممنوعة.
لم أعرف أن رواية «أولاد حارتنا» ممنوعة إلا بعد سنتين من قراءتها، وكذلك كتاب «نقد فلسفة الحق عند هيغل» لكارل ماركس بعد حين.
تخيّل أن تقرأ الكتب ولا تعلم أنها ممنوعة. وحين عرفت أنها ممنوعة عشت صراع الضمير القاتل. تخيّل أن تأتي الجهات المسؤولة ويكتشفون الأمر ويأخذونه!
عشت أيامًا صعبة: هل أخبره بالمصيبة وأقطع على نفسي هذا النعيم الثقافي، أو أصمت وأستمر مع احتمالية أن يأخذونا أنا وهو معًا ؟
قررت بعدها أن أعقد معه اتفاقًا: أن أشتري منه الكتب التي تعجبني، وهي الممنوعة، وهو طبعًا لا يعرف عنها شيئًا. واستمر هذا العقد حوالي ثلاثة أعوام، حتى جاء الإنترنت وقطع رزق عاطف.
كنت أقضي العصاري — إن لم تكن هناك مباراة كرة قدم — في صالون عاطف، على الكنبة التي تعاكس الشمس. كان صوت عاطف مع الزبون يتداخل مع صوت عبد الحميد كشك، وأحيانًا عبد الباسط عبد الصمد عبر الراديو، وشاي عاطف الثقيل يجعلني أغيب في عالم أبعد.
لم يكن يقاطعني إلا صلاة المغرب، أو إذا جاء من أعرفه من الناس للحلاقة.
قريتنا باردة. أترك معطفي عند عاطف حتى إذا اشتد البرد لا تقاطعني مفاجآت الطقس. أغلب أيام العام شمس النهار ساطعة، ومن بعد العصر يأتي التدرّج إلى الليل القارس.
جعلني إدمان جلسة الصالون أرتكب تصرفات غير مسؤولة، كأن أجلب كتبي لذات المكان. قال لي عاطف أيامها إنه يريد تعلم القراءة؛ كان شغوفًا بالأخبار جدًا. كان من فضل الله عليّ أنه قدّر لي ردّ الجميل، فساهمت في تعليمه ابجديات القراءة.
لعاطف جزء آخر وأهم سأكمله في يوم يكون فيه الشاي داكنًا، وشمس العصر تجعله متألقًا كوردة قانية…