الراحل المقيم

2021-8-12 - مجلة اليمامة

لا أقول في وداعه إلا أن يد الألم تفتتُ قلبي، ثم تذروه لرياح الوجع على مهل لتأخذه بعيداً في مجاهل الحزن والأسى.

في داخل كل منّا ذكرى لا تموت وحس لا يغيب وصوت لا يفنى لأناس يعجز الموت بكل سطوته أن يمحو ملامحهم من وجه أيامنا.

ترى هل تسمعني يا (عمي….) إن قلت لك كم أنا خجِل وأن أدوُّن مفردة الغياب إلى جوار اسمك الذي ما عرفناه إلا حاضراً في كل زاوية من حياتنا

وهل تصدقني إن أخبرتك بشدة ما أجده من وخز وأنا أشهد غيابك للمرة الأولى، أنت الذي لم تسجل لحظة غياب واحدة في كل حدث يبهج أيامنا أو يهزها سراء كان أو ضراء، باستثناء هذه اللحظة المتطرفة في الفجيعة، الناتئة في الأسى التي هزت أركان ديارنا كما فعلت بقلوبنا.

أتساءل في صمت يلفه الأسى، كيف لصاحب كل هذا الحضور الواسع في أزمنتنا وأمكنتنا أن يرحل، من كان يفيض أصالة وإيماناً بجدوى الألفة، من كان يجسد اللقاء بين زمنين، ويمد جسور الصلح بين القرية والمدينة.

أتساءل بحرقة الفقد، من مناّ لم يفقد هذا الأب، المعطاء دون تكلف، المستضيف الدائم، الزائر الخفيف، الذاكرة الكبيرة للحكايات الحية، من قضى عمره مرهوناً بالتماهي التام مع هموم الجماعة، حاوياً لأزمنتنا ومظلة المكان.

من منّا لم يفقد سيحان الجبل، كاريزما السراة، وجاهة الآباء في مجالس الأبناء، حماسة الفرسان في المجابهة، رأس المهمات دون صخب، الجسارة النادرة والعريقة، هاجس القرية وإيقاع وديانها، المحارب لأجل الشأن المجتمعي من المهد، الفأل الحسن للعابرين، سند القريب ومؤنس الغريب، الشامخ عن الاستسلام.

هل تعلم يا من رحلت كيف تغدو بعض الوجوه جزءاً من هوية الناس وبلدانهم، وكيف يصيبها اليُتْم والوعثاء برحيل تلك الوجوه.

حتماً أنك تعلم، أنت الذي ولدت في مكان واحد وعشتَ ومُتَ في أماكن كثيرة.

حتماً أنك تعلم أن كل العزاء لن يضمد قلوبنا المتروكة على قارعة رحيلك الذي جز ناصية الشروق من نواحينا، وابتسر أيامنا المملؤة بروحك ووجهك وصوتك.

حتماً أنك تعلم أن غيابك غصة ثقيلة سنظل نتجرعها زمناً طويلاً، ومسيرة غُربة سنتوه في مفازاتها كثيراً.

نفتقدك يا أبي سيحان، في البداية والنهاية وما بينهما، ونظل نفتقدك دائماً، وسنحزن كثيراً وسيكون عسيراً هذا الحزن، ولن يكون دفعة واحدة بل متدرجاً يصحبنا لمسافات طويلة منذ اليوم، لكن ما يجبر قلوبنا المصدوعة بفجيعة فقدك أن أمثالك لا يغادرون وإن رحلوا، فالغياب لا يقوى على مواراتهم لأنهم على ذمة الخلود، يعيشون في ضمير الحياة وذاكرتها الأبدية وقلوبنا..